الباحث القرآني
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟! أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟! أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟! أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟! كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ.
فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ:
؎أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا
فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً.
وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الشُّكْرَ في الآيَةِ عَلى الشُّكْرِ المُبْهَمِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.
(p-180)وأوْضَحُ مِنهُ وأطْيَبُ ما حاكَ في صَدْرِي، ثُمَّ رَأيْتُ العَلّامَةَ الطِّيبِيَّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - صَرَّحَ بِهِ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الفائِقُ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُنافِقِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ إلَخْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الَّذِي ورَّطَهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ كُفْرانُهم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى، وتَهاوُنُهم في شُكْرِ ما أُوتُوا، وتَفْوِيتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمُ البُغْيَةَ العُظْمى، وهو الإسْعادُ بِصُحْبَةِ أفْضَلِ الخَلْقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ الَّذِينَ ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ تَعالى وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ فَأُولَئِكَ حُكْمُهم أنْ يَنْتَظِمُوا في سِلْكِ أُولَئِكَ السُّعَداءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَما كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ الدَّرَجاتِ السُّفْلى مِنَ النِّيرانِ، ثُمَّ التَفَتَ تَعْرِيضًا لَهم أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِنهم وبِسَبَبِ تَقاعُدِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةَ الرَّفِيعَةَ، وتَفْوِيتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ تِلْكَ الفُرْصَةَ السَّنِيَّةَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ مُطْلَقٌ عَنْ عَذابِهِمْ، فَضْلًا عَلى أنْ يُوقِعَهم في تِلْكَ الوَرَطاتِ.
فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنْ شَكَرْتُمْ) فَذْلَكَةٌ لِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى الإصْلاحِ فِيها، ومِنَ اللَّجَأِ إلى الخَلْقِ إلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرِّياءِ في الدِّينِ إلى الإخْلاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (وآمَنتُمْ) تَفْسِيرٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِمَعْناهُ، أيْ: وآمَنتُمُ الإيمانَ الَّذِي هو حائِزٌ لِتِلْكَ الخِلالِ الفَواضِلِ، جامِعٌ لِتِلْكَ الخِصالِ الكَوامِلِ، فَتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ - وحَقُّهُ التَّأْخِيرُ في الأصْلِ - إعْلامٌ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، والكَفْرُ تابِعٌ، فَإذا أُخِّرَ الشُّكْرُ أُخِلَّ بِهَذِهِ الأسْرارِ واللَّطائِفِ، ومِن ثَمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا﴾ أيْ: مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ ﴿عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، فَيُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا إلى الشّاكِرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاكِرُ وكَذا الشَّكُورُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، هو الَّذِي يَجْزِي بِيَسِيرِ الطّاعاتِ كَثِيرَ الدَّرَجاتِ، ويُعْطِي بِالعَمَلِ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ نِعَمًا في الآخِرَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُثْنِي عَلى مَن تَمَسَّكَ بِطاعَتِهِ، فَيَرْجِعُ إلى صِفَةٍ كَلامِيَّةٍ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ:
أمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ – ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ فِيهِ: إنَّ النَّفْسَ لِلرُّوحِ كالمِرْآةِ لِلزَّوْجِ، و﴿يَتامى النِّساءِ﴾ صِفاتِ النُّفُوسِ و ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحُقُوقِ
وحاصِلُ المَعْنى: إنَّ نَفْسَكَ مَطِيَّتُكَ فارْفُقْ بِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ فالرُّوحُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والنَّفْسُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُظُوظِها ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ في رَفْضِ حُظُوظِ النَّفْسِ، فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: ««إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: الرَّوْحُ والنَّفْسُ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ فالرُّوحُ يَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ (خَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمٍ هَوَيْتُهُ) فَيُسْتَغْنى عَنْ مُرْكَبٍ النَّفْسِ بِالوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والنَّفْسُ تَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمِ ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ في شَأْنِ الشَّيْخِ والمُرِيدِ.
وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ المُرِيدِينَ لِثَوابِ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونُوا ثابِتِينَ في مَقامِ العَدالَةِ الَّتِي (p-181)هِيَ أشْرَفُ الفَضائِلِ ﴿قَوّامِينَ﴾ بِحُقُوقِها بِحَيْثُ تَكُونُ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمْ، لا يُمْكِنُ مَعَها جَوْرٌ في شَيْءٍ، ولا ظُهُورُ صِفَةِ نَفْسٍ لِاتِّباعِ هَوًى في جَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ رَفْعِ مَضَرَّةٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البُرْهانُ ﴿آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البَيانُ، إلى أنْ تُؤْمِنُوا مِن حَيْثُ العَيانُ، أوْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ آمِنُوا بالإيمانِ العَيْنِيِّ، أوِ المُرادُ: يا أيُّها المُدَّعُونَ تَجْرِيدَ الإيمانِ لِي مِن غَيْرِ وساطَةٍ لا سَبِيلَ لَكم إلى الوُصُولِ إلى عَيْنِ التَّجْرِيدِ إلّا بِقَبُولِ الوَسائِطِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالتَّقْلِيدِ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْلِيدِ أصْلٌ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بِالِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عُقُولُهم مُشْرِقَةً بِالنُّورِ الإلَهِيِّ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِالشُّبَهاتِ والِاعْتِراضاتِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى وصْفِ أهْلِ التَّرَدُّدِ في سُلُوكِ سَبِيلِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِأحْوالِهِمْ حِينَ هاجَتْ رَغْبَتُهم إلى رِياسَةِ القَوْمِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِمْ لَيْلُ المُجاهِداتِ لَمْ يَتَحَمَّلُوا، وأنْكَرُوا، ورَجَعُوا إلى حُظُوظِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا رَأوْا نِهايَةَ الأكابِرِ وظَنُّوا اللُّحُوقَ بِهِمْ لَوِ اسْتَقامُوا وآمَنُوا فَلَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن مَقاماتِ القَوْمِ وكَراماتِهِمْ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ارْتَدُّوا وصارُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ وعَلى مَقاماتِهِمْ، وازْدادُوا إنْكارًا حِينَ رَجَعُوا إلى اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، واخْتارُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وجَعَلُوا يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ: إنْ هَؤُلاءِ لَيْسُوا عَلى الحَقِّ، فَقَدْ سَلَكْنا ما سَلَكُوا، وخُضْنا ما خاضُوا فَلَمْ نَرَ إلّا سَرابًا بِقِيعَةٍ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ السُّوءِ المُنْكِرِينَ عَلى القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم.
(ما كانَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) لِمَكانِ الرَّيْبِ الحاجِبِ، وفَسادِ جَوْهَرِ القَلْبِ، وزَوالِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ إلى الحَقِّ، ولا إلى الكَمالِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ ذَلِكَ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ لِمُناسَبَتِهِمْ إيّاهُمْ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِعَدَمِ الجِنْسِيَّةِ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ التَّعَزُّزَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّقَوِّيَ بِمالِهِمْ وجاهِهِمْ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَلا سَبِيلَ لَهُمُ إلَيْها إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ لِعَدَمِ شَوْقِهِمْ إلى الحُضُورِ، ونُفُورِهِمْ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَوى عَلَيْهِمْ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ لِأنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ إلّا بِاللِّسانِ، وعِنْدَ حُضُورِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، فَإنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ يَطِيرُونَ إلَيْها بِجَناحَيِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، بَلْ يَحِنُّونَ إلى أوْقاتِها:
؎حَنِينَ أعْرابِيَّةٍ حَنَّتْ إلى أطْلالِ نَجْدٍ فارَقَتْهُ ومَرْخِهِ
ومِن هُنا «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِبِلالٍ: «أرِحْنا يا بِلالُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقِمْ لَنا الصَّلاةَ لِنُصَلِّيَ ونَسْتَرِيحَ بِها لا مِنها، وظَنُّ الأخِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – كُفْرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وإذا عَبَدُوا لا يَرَوْنَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وما قَدْرُ السُّوى عِنْدَهم لِيُراءُوهُ، وإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهم يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى، نَعَمْ، إنَّهم قَدْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنْهُ فَهُناكَ لا يَتَأتّى لَهُمُ الذِّكْرُ، وقَدْ عَدَّ العارِفُونَ الذِّكْرَ لِأهْلِ الشُّهُودِ ذَنْبًا، ولِهَذا قالَ قائِلُهُمْ:
؎بِذِكْرِ اللَّهِ تَزْدادُ الذُّنُوبُ ∗∗∗ وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعُيُوبُ
؎وتَرْكُ الذِّكْرَ أفْضَلُ كُلِّ شَيْءٍ ∗∗∗ وشَمْسُ الذّاتِ لَيْسَ لَها مَغِيبُ
لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِلُ العَبْدُ إلى ذَلِكَ المَقامِ إلّا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وأشارَ إلى مَقامٍ عالٍ مَن قالَ:
؎لا يَتْرُكُ الذِّكْرَ إلّا مَن يُشاهِدُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ يَشْهَدُهُ مَن لَيْسَ يَذْكُرُهُ
؎والذِّكْرُ سَتْرٌ عَلى مَذْكُورِهِ سَتْرٌ ∗∗∗ فَحِينَ يَذْكُرُهُ في الحالِ يَسْتُرُهُ
؎فَلا أزالُ عَلى الأحْوالِ أُشْهِدُهُ ∗∗∗ ولا أزالُ عَلى الأنْفاسِ أذْكُرُهُ
(p-182)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمَةُ كُفْرِهِمْ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً في عِقابِكم بِرُسُوخِ الهَيْئَةِ الَّتِي بِها تَمِيلُونَ إلى وِلايَتِهِمْ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ لِتَحَيُّرِهِمْ بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِانْقِطاعِ وصْلَتِهِمْ، وارْتِفاعِ مَحَبَّتِهِمْ مَعَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِبَقِيَّةِ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، وقَبُولِ مَدى التَّوْفِيقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِنِ اسْتِعْدادِهِ بِقَمْعِ الهَوى، وكَسْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، ورَفْعِ حِجابِ القُوى ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ بِالتَّمَسُّكِ بِأوامِرِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ بِإزالَةِ خَفايا الشِّرْكِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السُّوى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ الصّادِقِينَ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ مِن مُشاهَدَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، وجَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ وإصْلاحِ ما فَسَدَ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ الأوامِرِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ سُبْحانَهُ﴿وآمَنتُمْ﴾ الإيمانَ الحائِزَ لِذَلِكَ ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ فَيُثِيبُ ويُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
{"ayah":"مَّا یَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











