الباحث القرآني
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيْ: في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِنها، وهو قَعْرُها، ولَها طَبَقاتٌ سَبْعٌ، تُسَمّى الأُولى - كَما قِيلَ -: (جَهَنَّمُ) والثّانِيَةُ (لَظى) والثّالِثَةُ (الحَطْمَةُ) والرّابِعَةُ (السَّعِيرُ) والخامِسَةُ (سَقَرُ) والسّادِسَةُ (الجَحِيمُ) والسّابِعَةُ (الهاوِيَةُ) وقَدْ تُسَمّى النّارُ جَمِيعًا بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها، وتَسْمِيَةُ تِلْكَ الطَّبَقاتِ دِرْكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ و(الدَّرْكُ) كالدَّرَجِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وفي كَوْنِ المُنافِقِ (فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ) إشارَةٌ إلى شَدَّةِ عَذابِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الأحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ المُنافِقَ يُجْعَلُ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ، يُصْمَدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ» وإنَّما كانَ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ لِكَوْنِهِ ضَمَّ إلى الكُفْرِ المُشْتَرَكِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ (p-178)وخِداعًا لِأهْلِهِ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أرْبَعٌ مِن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها؛ إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»» فَقَدْ قالَ المُحَدِّثُونَ فِيهِ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِزَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِاطِّلاعِهِ بِنُورِ الوَحْيِ عَلى بَواطِنِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الخِصالِ، فَأعْلَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم – بِأمارَتِهِمْ؛ لِيَحْتَرِزُوا عَنْهُمْ، ولَمْ يُعَيِّنْهم حَذَرًا عَنِ الفِتْنَةِ وارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُحارِبِينَ.
وقِيلَ: لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ ولَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ فَهو شَبِيهٌ بِالمُنافِقِينَ الخُلَّصِ، وأطْلَقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وتَهْدِيدًا لَهُ، وهَذا في حَقِّ مَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا مَن نَدَرَ مِنهُ، أوْ هو مُنافِقٌ في أُمُورِ الدِّينِ عُرْفًا، والمُنافِقُ في العُرْفِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَن أبْطَنَ خِلافَ ما يُظْهِرُ مِمّا يُتَضَرَّرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا وكُفْرًا، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ، وهَذا صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاقْتِضاءِ المَقامِ، ولِذا ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ (ثَلاثٌ) وفي بَعْضِها (أرْبَعٌ).
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (الدَّرْكِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّهُ ورَدَ جَمْعُهُ عَلى أفْعالٍ، وأفْعالٌ في (فَعَلَ) المُحَرَّكِ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، ووُرُودُهُ في السّاكِنِ نادِرٌ كَـ(فَرْخٍ وأفْراخٍ، وزَنْدٍ وأزْنادٍ) وكَوْنُهُ اسْتُغْنِيَ بِجَمْعِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ جائِزٌ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، والكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الحَقِيقَةِ.
وزَعَمَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنْ لا طَبَقاتِ في النّارِ، وأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ في العِقابِ، كَما يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ بَلَّغَ فَلانًا الحَضِيضَ وفُلانًا العَرْشَ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ انْحِطاطَ المَنزِلَةِ وعُلُوَّها لا المَسافَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما جاءَتْ بِهِ الآثارُ.
و(مِنَ النّارِ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي صاحِبِها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الدَّرْكُ، والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ.
والثّانِي: أنَّهُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الأسْفَلِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ، فَيَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ، أيْ: حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ النّارِ.
﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يُخْرِجُهم مِنهُ، أوْ يُخَفِّفُ عَنْهم ما هم فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَ يَكُونُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وكَوْنُ المُرادِ (ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا) في الدُّنْيا لِتَكُونَ الآيَةُ وصْفًا لَهم بِأنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
{"ayah":"إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ فِی ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِیرًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











