الباحث القرآني
﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أيْ: صَغِيرَةً، أوْ ما لا عَمْدَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (يَكِسِّبُ) بِكَسْرِ الكافِ والسِّينِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ (يَكْتَسِبُ ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: كَبِيرَةً، أوْ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الشِّرْكُ، والإثْمُ ما دُونَهُ.
وفِي الكَشّافِ: الإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمال أيْ: يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّ هَذا أصِلُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الذَّنْبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ”كَبائِرُ الإثم“ ومِن هَذا يُعْلَمُ ضَعْفُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ويُسْنِدُهُ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى (إثْمًا) فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنِ بِـ(أْوْ) يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُما عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، نَحْوُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وعَلى المَعْطُوفِ نَحْوُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ .
وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى الكَسْبِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: يَرْمِ بِها وبِهِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وقُرِئَ بِهِما ﴿بَرِيئًا﴾ مِمّا رَماهُ بِهِ لِيُحَمِّلَهُ عُقُوبَةَ العاجِلَةِ، كَما فَعَلَ مَن عِنْدَهُ الدِّرْعُ بِلُبَيْدِ بْنِ سَهْلٍ، أوْ بِأبِي مُلَيْكٍ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ بِما فَعَلَ مِن رَمْيِ البَرِئِ، وقَصْدِهِ تَحْمِيلَ جَرِيرَتِهِ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ مِن (حَمَلَ) وقِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، فاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ويُتَحَيَّرُ عِنْدَ سَماعِهِ لِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: هو الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ في عِظَمِهِ، والماضِي بَهَتَ كَمَنَعَ، ويُقالُ في المَصْدَرِ: بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتًا ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا خَفاءَ، وهو صِفَةٌ لِـ(إثْمًا) وقَدِ اكْتُفِيَ في بَيانِ عِظَمِ البُهْتانِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ عَلى أنَّ وصْفَ الإثْمِ بِما ذُكِرَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ البُهْتانِ بِهِ؛ لِأنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ أمْرٍ واحِدٍ (p-143)هُوَ رَمِيُ البَرِئِ بِجِنايَةِ نَفْسِهِ.
وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِما تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْظِيعًا لِحالِهِ، فَمَدارُ العِظَمِ والفَخامَةِ كَوْنُ المَرْمِيِّ بِهِ لِلَّرامِي، فَإنَّ رَمْيَ البَرِئِ بِجانِيَةٍ ما خَطِيئَةً كانَتْ أوْ إثْمًا بُهْتانٌ وإثْمٌ في نَفْسِهِ، أمّا كَوْنُهُ بُهْتانًا فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ إثْمًا فَلِأنَّ كَوْنَ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن فَعَلَهُ خَطِيئَةً لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن نَسَبَهُ إلى البَرِئِ مِنهُ أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًا، كَيْفَ لا وهو كَذِبٌ مُحَرَّمٌ في سائِرِ الأدْيانِ، فَهو في نَفْسِهِ بُهْتانٌ وإثْمٌ لا مَحالَةَ، وبِكَوْنِ تِلْكَ الجِنايَةِ لِلَّرامِيِّ يَتَضاعَفُ ذَلِكَ شِدَّةً ويَزْدادُ قُبْحًا، لَكِنْ لا لِانْضِمامِ جِنايَتِهِ المَكْسُوبَةِ إلى رَمْيِ البَرِئِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ، ولا لِمُجَرَّدِ اشْتِمالِهِ عَلى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الخاطِئَةِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مَعَ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى قَصْدِ تَحْمِيلِ جِنايَتِهِ عَلى البَرِئٍ، وإجْراءِ عُقُوبَتِها عَلَيْهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الِاحْتِمالِ عَلى الِاكْتِسابِ ونَحْوِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ.
نَعَمْ، بِما ذُكِرَ مِنِ انْضِمامِ كَسْبِهِ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ إلى رَمْيِ البَرِئِ تَزْدادُ الجِنايَةَ قُبْحًا، لَكِنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ وصْفٌ لِلْمَجْمُوعِ لا لِلْإثْمِ فَقَطْ، كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْلى مِمّا يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ مِن أنَّ في التَّنْزِيلِ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرُ مُرَتَّبٍ حَيْثُ قالَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: (فَقَدِ احْتَمَلَ) إلَخْ: لِأنَّهُ بِكَسْبِهِ الإثْمَ آثِمٌ، وبِرَمْيِهِ البَرِئِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِخُلُوِّهِ عَمّا يَلْزَمُهُ، وإنْ أُجِيبَ عَنْهُ، فافْهَمْ.
{"ayah":"وَمَن یَكۡسِبۡ خَطِیۤـَٔةً أَوۡ إِثۡمࣰا ثُمَّ یَرۡمِ بِهِۦ بَرِیۤـࣰٔا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَـٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











