الباحث القرآني
﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ مِن مَرَضٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَكارِهِ، ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ راجِعًا مِمَّنْ كانَ يَدْعُوهُ في حالَةِ الرَّخاءِ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كَشْفِ ضُرِّهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِحالِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: هو مُعَيَّنٌ كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ أعْطاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن جَنابِهِ مِنَ الخَوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو تَعَهُّدُ الشَّيْءِ أيِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأُطْلِقَ عَلى العَطاءِ لِما أنَّ المُعْطِيَ الكَرِيمَ يَتَعَهَّدُ مَن هو رَبِيبُ إحْسانِهِ، ونُشُوُّ امْتِنانِهِ بِتَكْرِيرِ العَطاءِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ﴿خَوَّلَهُ﴾ في الأصْلِ أعْطاهُ خَوَلًا بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ عَبِيدًا وخَدَمًا، أوْ أعْطاهُ ما يَحْتاجُ إلى تَعَهُّدِهِ والقِيامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُمِّمَ لِمُطْلَقِ العَطاءِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِن خالَ يَخُولُ خَوْلًا بِسُكُونِ الواوِ، إذا افْتَخَرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صُرِّحَ في الصِّحاحِ أنَّ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ يائِيٌّ، والخُيَلاءُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ دِلالَةً بَيِّنَةً، وأيْضًا خَوَّلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأخْذُهُ مِنهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَتَعَدّى لِلْمَفْعُولِ الثّانِي.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الخالِ الَّذِي هو العَلامَةُ، وقَدْ نَقَلَ (p-245)فِيهِ الواوَ والياءَ، ثُمَّ قِيلَ: لَسِيَّما الجَمالُ والخَيْرُ خالٌ مِن ذَلِكَ، وأُخِذَ مِنهُ الخَيالُ، وأمّا الِاخْتِيالُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَيالِ، لِأنَّهُ خالَ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ، أوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خالَ الخَيْرِ كَما يُقالُ: أُعْجِبَ الرَّجُلُ، فَقَدْ وضَحَ أنَّ الِاشْتِقاقَ يُناسِبُهُما، ولا يُنْكَرُ ثُبُوتُ الياءِ بِدَلِيلِ الخُيَلاءِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن ثُبُوتِ الياءِ أيْضًا، ولَيْسَ الِاخْتِيالُ مَأْخُوذًا مِنَ الخُيَلاءِ، بَلِ الخُيَلاءُ هو الِاسْمُ مِنهُ، فَلا يَصْلُحُ مانِعًا لَكِنْ يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْياءِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنْ خَوَّلَ مُضَعَّفُ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ حَتّى يُشْكِلَ تَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، بَلْ أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِمَعْنى أعْطى، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَأْخَذِ اشْتِقاقِهِ، وأصْلُ مَعْناهُ المُلاحَظُ في وضْعِهِ لَهُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، فَأصْلُ خَوَّلَهُ جَعَلَهُ مُفْتَخِرًا بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْهُ، وصارَ بِمَعْنى أعْطاهُ مُطْلَقًا، ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إزالَتَهُ وكَشْفَهُ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ التَّخْوِيلِ، فَما واقِعَةٌ عَلى الضُّرِّ، ودَعا مِنَ الدَّعْوَةِ، وهو يَتَعَدّى بِـ ”إلى“ يُقالُ: دَعا المُؤَذِّنُ النّاسَ إلى الصَّلاةِ، ودَعا فُلانٌ النّاسَ إلى مَأْدُبَتِهِ، والدَّعْوَةُ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ، والمَعْنى عَلى اعْتِبارِ المُضافِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (بِما) مَعْنى (مَن) لِلدِّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّفْخِيمِ واقِعًا عَلَيْهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، والدُّعاءُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإنابَةِ، أوِ التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ، والمَعْنى: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَدْعُو مُنِيبًا أوْ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ: تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ: دَعا إلَيْهِ بِمَعْنى دَعاهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (ما) بِمَعْنى (مَن)، مَرْدُودٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ التَّضْمِينِ واسْتِعْمالِ (ما) في مَقامِ التَّفْخِيمِ. وفي الإرْشادِ أنَّ في ذَلِكَ الجَعْلِ إيذانًا بِأنَّ نِسْيانَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ مَدْعُوَّهُ ما هُوَ؟ فَضْلًا مِن أنْ يَعْرِفَهُ مَن هُوَ؟ وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسِيَ﴾ أيْ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ الضُّرِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ شُرَكاءَ في العِبادَةِ، والظّاهِرُ مِنَ اسْتِعْمالاتِهِمْ إطْلاقُ الأنْدادِ عَلى الشُّرَكاءِ مُطْلَقًا، وفي البَحْرِ: أنْدادًا أيْ أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ، قالَ قَتادَةُ: أيِ الرِّجالُ يُطِيعُهم في المَعْصِيَةِ، وقالَ غَيْرُهُ أوْثانًا، ﴿لِيُضِلَّ﴾ النّاسَ بِذَلِكَ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا، أوْ لِيَثْبُتَ عَلَيْهِ، وإلّا فَأصْلُ الضَّلالِ غَيْرُ مُتَأخِّرٍ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾، بَيْدَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ الجاعِلَ ها هُنا قاصِدٌ بِجَعْلِهِ المَذْكُورِ حَقِيقَةَ الإضْلالِ، والضَّلالِ، وإنْ لَمْ يَعْرِفْ بِجَهْلِهِ أنَّهُما إضْلالٌ وضَلالٌ، وأمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَهم غَيْرُ قاصِدِينَ بِالتِقاطِهِمُ العَداوَةَ أصْلًا.
﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِذَلِكَ الجاعِلِ، وبَيانًا لِحالِهِ ومَآلِهِ، ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ أيْ تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمِيها والمُعَذَّبِينَ فِيها عَلى الدَّوامِ، وهو تَعْلِيلٌ لِقِلَّةِ التَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ الإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ وذَمِّ الكُفْرِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قَدْ أبَيْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمِن حَقِّكَ أنْ تُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ لِتَذُوقَ عُقُوبَتَهُ،
{"ayah":"۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِیبًا إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةࣰ مِّنۡهُ نَسِیَ مَا كَانَ یَدۡعُوۤا۟ إِلَیۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادࣰا لِّیُضِلَّ عَن سَبِیلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِیلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلنَّارِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











