الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ بَيانٌ لِأضْدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ، ومُتَّبِعُو خُطُواتِها كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ وجَوابُ الشَّرْطِ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، والهَمْزَةُ قَبْلَهُ لِاسْتِطالَةِ الكَلامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ:
؎لَقَدْ عَلِمَ الحِزْبُ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها
لِأنَّ دُخُولَ الهَمْزَةِ في الجَوابِ أوِ الشَّرْطِ كافٍ، تَقُولُ: أإنْ أكْرَمَكَ تُكْرِمْهُ، كَما تَقُولُ: إنْ أكْرَمَكَ أتُكْرِمُهُ؟ ولا تُكَرِّرُها فِيهِما، إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي الشَّرْطَ والجَزاءَ بَعْدَ دُخُولِ الأداةِ مُفْرَدانِ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى مَضامِينِ الجُمَلِ، إذا كانَ المَطْلُوبُ تَصْدِيقًا، والإنْكارُ المُفادُ بِالهَمْزَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ في المَعْطُوفِ إنْكارُ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكٌ أمْرَ النّاسِ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ؟ فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟ عَلى مَعْنى لَسْتَ أنْتَ مالِكَ أمْرِ النّاسِ، ولا أنْتَ تَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ، بَلِ المالِكُ والقادِرُ عَلى الإنْقاذِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعُدِلَ عَنْ: فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ نَزَلَ اسْتِحْقاقُهم لِلْعَذابِ، وهم في الدُّنْيا المُشْعِرُ بِهِ الشَّرْطُ (p-254)مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ، وأنَّهُ مَثَّلَ حالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ، والِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها. وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّعْدِ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً لا يَعْرِفُها إلّا فُرْسانُ البَيانِ، وهي الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ المَكْنِيَّةُ، لِأنَّهُ نَزَّلَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن﴾ إلَخْ، مِنَ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ في الآخِرَةِ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا بَذَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جُهْدَهُ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ عَرَفْتُ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ قَرِينَةَ المَكْنِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً كَما في نَقْضِ العَهْدِ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: إنَّ النّارَ مَجازٌ عَنِ الضَّلالِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والإنْقاذُ بَدَلُ الهِدايَةِ مِن تَرْشِيحِ المَجازِ، أوْ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا وجُمْلَةُ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةً لِلْجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في أنَّ الفاءَ في الأُولى لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، ولا في كَوْنِ المَعْنى عَلى تَنْزِيلِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةُ دُخُولِهِمُ النّارَ وتَمْثِيلُ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها، نَعَمِ الكَلامُ عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ، وعَلى الثّانِي جُمْلَتانِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ ﴿مِن﴾ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وحُكِيَ أنَّ مِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ الأخِيرَ أوْلى، وذُكِرَ أنَّ النُّحاةَ عَلى أنَّ الفاءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ، ومَوْضِعَها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما في مَكانِهِ قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما عَلِمْنا، وفي المُغْنِي: تَرْجِيحُ القَوْلِ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، وعَلَيْهِ يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: ما أنْتَ مالِكَ أمْرِهِمْ، أوْ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ كُلُّ كافِرٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُ المَعْنى المُرادِ.
{"ayah":"أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَیۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِی ٱلنَّارِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











