الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ﴾ إلى آخِرِهِ نَوْعُ بَيانٍ لِخُسْرانِهِمْ بَعْدَ تَهْوِيلِهِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ (لِظُلَلٌ)، ومن فَوْقِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ المُقَدَّمِ، لا مِنها نَفْسِها لِضَعْفِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَإ، وجَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ إتْباعٌ لِنَظَرِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ، و﴿مِنَ النّارِ﴾ صِفَةٌ (لِظُلَلٌ). والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، ولِذا قِيلَ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَمّا عَلاهم مِنَ النّارِ بِالظُّلَلِ، أيْ لَهم كائِنَةً مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ كَثِيرَةٌ مُتَراكِمَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كائِنَةً مِنَ النّارِ، ﴿ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ كائِنَةً مِنَ النّارِ أيْضًا، والمُرادُ أطْباقٌ كَثِيرَةٌ مِنها، وتَسْمِيَتُها ظُلَلًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ. وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم في طَبَقَةٍ أُخْرى مِن طَبَقاتِ النّارِ، ولا يَطَّرِدُ في أهْلِ الطَّبَقَةِ الأخِيرَةِ مِن هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها لِلشَّياطِينِ، ونَحْوِهِمْ مِمّا لا ذِكْرَ لَهم هُنا، وقِيلَ: إنَّ ما تَحْتَهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا، ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ﴿ذَلِكَ﴾ العَذابُ الفَظِيعُ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ يُذَكِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِآياتِ الوَعِيدِ لِيَخافُوا (p-252)فَيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ العِبادَ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّخْوِيفِ وعَمَّمَ آخَرُونَ. وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي، ويَخْتَلِفُ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، كَما لا يَخْفى، وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ مُنْطَوِيَةٌ عَلى غايَةِ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ. وقُرِئَ: ”يا عِبادِي“ بِالياءِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب