الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ، إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لِما كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ ﷺ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تُعَيِّنُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجُعِلَ مَصَبُّ الفائِدَةِ إخْبارُهُ بِما هو داعٍ إلى الوَحْيِ ومُصَحِّحٌ لَهُ، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ (لِيُوحى) إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، فالمَعْنى ما يُوحى إلَيَّ حالُ المَلَإ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ الَّذِي يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومُصَحِّحاتِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ عائِدًا إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُوحى﴾ أيْ ما يُفْعَلُ الإيحاءُ إلَيَّ بِحالِ المَلَإ الأعْلى، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي إلَخْ. وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الجارِّ والمَجْرُورِ نائِبَ الفاعِلِ، ”وأنما“ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لِأمْرٍ إلّا لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وأيُّ مُبِينٍ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَسْتَقْضِ يا فُلانُ إلّا لِأنَّكَ عالِمٌ عامِلٌ مُرْشِدٌ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ مَقامًا مَقامُ الفاعِلِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنِّي لَمْ أُومَرْ إلّا بِهَذا الأمْرِ (p-222)وحْدَهُ، ولَيْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ الأوامِرِ، إمّا تَضَمُّنًا، وإمّا التِزامًا، أوْ لَمْ أُومَرْ إلّا بِإنْذارِكم لا بِهِدايَتِكم وصَدِّكم عَنِ العِنادِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْفَقُ بِحالِ الِاعْتِراضِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْ إدْراكِ اللَّطائِفِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنَّما) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ أيْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، وإيحاؤُها إلَيْهِ أمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَها، وحاصِلُ مَعْنى الحَصْرِ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: لَمْ أُومَرْ إلّا بِأنْ أقُولَ لَكم هَذا القَوْلَ دُونَ أنْ أقُولَ: أعْلَمُ الغَيْبَ بِدُونِ وحْيٍ مَثَلًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب