الباحث القرآني

﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ فَصَلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَشْرِكُ العَرَبَ فِيهِ غَيْرُهُمْ، أوْ لِلْإشْعارِ بِعَراقَتِهِ في الصَّبْرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، ﴿واليَسَعَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وذَكَرَ أنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتُنْبِئَ، واللّامُ فِيهِ زائِدَةٌ لازِمَةٌ لِمُقارَنَتِها لِلْوَضْعِ، ولا يُنافِي كَوْنَهُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَإنَّها قَدْ لَزِمَتْ في بَعْضِ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ كالإسْكَنْدَرِ، فَقَدْ لَحَّنَ التِّبْرِيزِيُّ مَن قالَ: إسْكَنْدَرُ، مُجَرِّدًا لَهُ مِنها، والأوْلى عِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ اسْمًا أعْجَمِيًّا، وألْ فِيهِ مُقارِنَةٌ لِلْوَضْعِ أنْ لا يُقالَ بِزِيادَتِها فِيها، وقِيلَ: هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِن يَسَعُ مُضارِعِ وسِعَ حَكاهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ. وفي القامُوسِ: يَسَعُ كَيَضَعُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ ألْ، ولا تَدْخُلُ عَلى نَظائِرِهِ كَيَزِيدَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”واللِّيَسَعَ“ بِلامَيْنِ والتَّشْدِيدِ كَأنَّ أصْلَهُ لِيَسَعُ بِوَزْنِ فِيَعَلٍ مِنَ اللَّسَعِ دَخَلَ عَلَيْهِ ألْ تَشْبِيهًا بِالمَنقُولِ الَّذِي تَدْخُلُهُ لِلَمْحِ أصْلِهِ، وجَزَمَ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أيْضًا عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ. ﴿وذا الكِفْلِ﴾ قِيلَ هو ابْنُ أيُّوبَ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ بَعْدَ أيُّوبَ شَرَفَ ابْنَ أيُّوبَ نَبِيًّا، وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ حَتّى ماتَ، وعُمْرُهُ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً. وفِي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: قِيلَ: هو إلْياسُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقِيلَ: هو نَبِيٌّ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا صالِحًا تَكَفَّلَ بِأُمُورٍ فَوَفّى بِها، وقِيلَ: هو زَكَرِيّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ اهـ، وقالَ ابْنُ عَساكِرَ: هو نَبِيٌّ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في عَمَلِهِ بِضِعْفِ عَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وأنَّ اليَسَعَ اسْتَخْلَفَهُ، فَتَكَفَّلَ لَهُ أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، وقِيلَ: أنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا مِنَ الصّالِحِينَ كانَ في زَمانِهِ أرْبَعُمِائَةِ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلَهم مَلِكٌ جَبّارٌ إلّا مِائَةً مِنهُمْ، فَرُّوا مِنَ القَتْلِ، فَآواهُمْ، وأخْفاهُمْ، وقامَ بَمَؤُونَتِهِمْ فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى ذا الكِفْلِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ وأنَّ لَهُ اسْمَيْنِ، ويَأْباهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ وكُلُّهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾ (p-212)المَشْهُورِينَ بِالخَيْرِيَّةِ، هَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَحاسِنِهِمْ، ﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ شَرَفٌ لَهُمْ، وشاعَ الذِّكْرُ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الشَّرَفَ يَلْزَمُهُ الشُّهْرَةُ والذِّكْرُ بَيْنَ النّاسِ، فَتَجُوزُ بِهِ عَنْهُ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، والمُرادُ في ذِكْرِ قِصَصِهِمْ وتَنْوِيهِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، أوِ المَعْنى هَذا المَذْكُورُ مِنَ الآياتِ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِلِانْتِقالِ مِن نَوْعٍ مِنَ الكَلامِ إلى آخَرَ، كَما يَقُولُ الجاحِظُ في كُتُبِهِ: فَهَذا بابٌ ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، ويَقُولُ الكاتِبُ إذا فَرَغَ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ: هَذا، وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، ويُحْذَفُ عَلى ما قِيلَ الخَبَرُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وعَلَيْهِ هَذا، ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيهِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب