الباحث القرآني
﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ، ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِن”الشياطين“ وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إنْ أُرِيدَ المَعْهُودُونَ المُسَخَّرُونَ، أوْ أُرِيدَ مَن لَهُ قُوَّةُ البِناءِ، والغَوْصِ، والتَّمَكُّنِ مِنهُما، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ إنْ لَمْ يُرَدْ ذَلِكَ، فَيُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُمْ، والغَوْصُ لِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما قِيلَ: أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ، ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كُلَّ﴾ لا عَلى”الشياطين“ لِأنَّهم مِنهم إلّا أنْ يُرادَ العَهْدُ، ولا عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ ﴿كُلَّ﴾ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا الإضافَةُ إلى مُفْرَدٍ مُنَكَّرٍ أوْ جَمْعٍ مُعَرَّفٍ، والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: الجامِعَةُ أعْنِي الغُلَّ الَّذِي يَجْمَعُ اليَدَيْنِ إلى العُنُقِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِمُقَرَّنِينَ، لِأنَّ التَّقْرِينَ بِها غالِبًا، ويُسَمّى بِهِ العَطاءُ لِأنَّهُ ارْتِباطٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ: قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن بَرَّكَ فَقَدْ أسَرَكَ، ومَن جَفاكَ فَقَدْ أطْلَقَكَ.
وقَوْلُ القائِلِ: غَلَّ يَدًا مُطْلِقُها وفَكَّ رَقَبَةً مُعْتِقُها، وقالَ أبُو تَمّامٍ:
؎هِمَمِي مُعَلَّقَةٌ عَلَيْكَ رِقابُها مَغْلُولَةٌ إنَّ العَطاءَ إسارُ
وتَبِعَهُ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ:
؎وقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذُراكَ مَحَبَّةً ∗∗∗ ومَن وجَدَ الإحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا
وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما، فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَكْسَ وعْدِهِ وأوْعَدَهُ. ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، قالَ فِيهِ الخَفاجِيُّ ما قالَ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ها هُنا مادَّتَيْنِ في كُلٍّ مِنهُما ضارٌّ ونافِعٌ، وقَلِيلُ اللَّفْظِ، وكَثِيرُهُ، وقَدْ ورَدَ في إحْداهُما الضّارُّ بِلَفْظٍ مُقَدَّمٍ، والنّافِعُ بِلَفْظٍ كَثِيرٍ مُؤَخَّرٍ، وفي الأُخْرى عَكْسُهُ، ووَجْهُهُ في الأوَّلِ أنَّهُ أمْرٌ واقِعٌ لِأنَّهُ وُضِعَ لِلْقَيْدِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَطاءِ، لِأنَّهُ يُقَيِّدُ صاحِبَهُ، وعَبَّرَ بِالأقَلِّ في القَيْدِ لِضِيقِهِ المُناسِبِ لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ وبِالأكْثَرِ في العَطاءِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ الكَرَمِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ، وعَكَسَ ذَلِكَ في وعَدَ وأوْعَدَ، فَعَبَّرَ في النّافِعِ بِالأقَلِّ، وقَدَّمَ، وأخَّرَ الضّارَّ وكَثَّرَ حُرُوفَهُ، لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ غَيْرُ واقِعٍ، والخَيْرُ المَوْعُودُ بِهِ يُحْمَدُ سُرْعَةُ إنْجازِهِ وقِلَّةُ مُدَّةِ وُقُوعِهِ، فَإنَّ أهْنا البِرِّ عاجِلُهُ، وهَذا يُناسِبُ قِلَّةَ حُرُوفِهِ، وفي الوَعِيدِ يُحْمَدُ تَأْخِيرُهُ لِحُسْنِ الخُلْفِ والعَفْوِ عَنْهُ، فَناسَبَ كَثْرَةَ حُرُوفِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَحْقِيقٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وما عَداهُ وهْمٌ فارِغٌ، فاعْرِفْهُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُقَرَّنِينَ المَرَدَةُ، فَتُفِيدُ الآيَةُ تَفْصِيلَ الشَّياطِينِ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالبِناءِ والغَوْصِ، (p-204)ومَرَدَةٍ قَرَنَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالجَوامِعِ، لِيَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وظاهِرُهُ أنَّ هُناكَ تَقْيِيدًا، وهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الشَّياطِينَ إمّا أجْسامٌ نارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ قابِلَةٌ لِلتَّشَكُّلِ، وإمّا أرْواحٌ خَبِيثَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وأيًّا ما كانَ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها، ولا إمْساكُ القَيْدِ لَها. وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ وهو الصَّحِيحُ.
والأصْفادُ غَيْرُ ما هو المَعْرُوفُ، بَلْ هي أصْفادٌ يَتَأتّى بِها تَقْيِيدُ اللَّطِيفِ عَلى وجْهٍ يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ، والأمْرُ مِن أوَّلِهِ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقِيلَ: إنَّ لَطافَةَ أجْسامِهِمْ بِمَعْنى شَفافَتِها لا تَأْبى الصَّلابَةَ كَما في الزُّجاجِ، والفَلَكِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم شَفّافَةً وصُلْبَةً فَلا تُرى لِشَفافَتِها، ويَتَأتّى تَقْيِيدُها لِصَلابَتِها، وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلابَةَ لِتَحَقُّقِ نُفُوذِ الشَّياطِينِ فِيما لا يُمْكِنُ نُفُوذُ الصُّلْبِ فِيهِ، وأنَّهم لا يُدْرَكُونَ بِاللَّمْسِ والصُّلْبُ يُدْرَكُ بِهِ.
وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُقَيِّدُهم بِشَكْلٍ صُلْبٍ فَيُقَيِّدُهم حِينَئِذٍ بِالأصْفادِ، والشَّيْطانُ إذا ظَهَرَ مُتَشَكِّلًا بِشَكْلٍ قَدْ يَتَقَيَّدُ بِهِ، ولا يُمْكِنُهُ التَّشَكُّلُ بِغَيْرِهِ ولا العَوْدُ إلى ما كانَ، وقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أنَّ نَظَرَ الإنْسانِ يُقَيِّدُ الشَّيْطانَ بِالشَّكْلِ الَّذِي يَراهُ فِيهِ، فَمَتى رَأى الإنْسانُ شَيْطانًا بِشَكْلٍ، ولَمْ يَصْرِفْ نَظَرَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يَسْتَطِعِ الشَّيْطانُ الخَفاءَ عَنْهُ، ولا التَّشَكُّلُ بِشَكْلٍ آخَرَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنْهُ ولَوْ بِرَمْشَةِ عَيْنٍ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ كَثِيفَ الجِسْمِ في زَمَنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُشاهِدُهُ النّاسُ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أماتَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ الجِنَّ وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ لَطِيفَ الجِسْمِ، بِحَيْثُ لا يُرى ولا يَقْوى عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وهَذا لا يُقْبَلُ أصْلًا إلّا بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ، وأنّى هِيَ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِالإقْرانِ في الصَّفَدِ، ولَيْسَ هُناكَ قَيْدٌ ولا تَقْيِيدٌ حَقِيقَةً،
{"ayahs_start":37,"ayahs":["وَٱلشَّیَـٰطِینَ كُلَّ بَنَّاۤءࣲ وَغَوَّاصࣲ","وَءَاخَرِینَ مُقَرَّنِینَ فِی ٱلۡأَصۡفَادِ"],"ayah":"وَٱلشَّیَـٰطِینَ كُلَّ بَنَّاۤءࣲ وَغَوَّاصࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











