الباحث القرآني

﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ في إنْكارِ فِعْلِ ذِي النَّعَجاتِ الكَثِيرَةِ وتَهْجِينُ طَمَعِهِ، ولَيْسَ هَذا ابْتِداءً مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إثْرَ فَراغِ المُدَّعِي مِن كَلامِهِ، ولا فُتْيا بِظاهِرِ كَلامِهِ قَبْلَ ظُهُورِ الحالِ لَدَيْهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا، وقِيلَ: ثَمَّ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، أيْ فَأقَرَّ المُدَّعى عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إلَخْ، ولَمْ يُحْكَ في القُرْآنِ اعْتِرافُ المُدَّعى عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الشَّرائِعِ كُلِّها أنَّهُ لا يَحْكُمُ الحاكِمُ إلّا بَعْدَ إجابَةِ المُدَّعى عَلَيْهِ. وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ كَلامَ الشّاكِي قالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ؟ فَأقَرَّ، فَقالَ لَهُ: لَتَرْجِعَنَّ إلى الحَقِّ، أوْ لَأكْسِرَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ، وقالَ لِلثّانِي: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ إلَخْ، فَتَبَسَّما عِنْدَ ذَلِكَ وذَهَبا ولَمْ يَرَهُما لِحِينِهِ. وقِيلَ: ذَهَبا نَحْوَ السَّماءِ بِمَرْأًى مِنهُ، وقالَ الحَلِيمِيُّ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى في المُدَّعِي مَخايِلَ الضَّعْفِ والهَضِيمَةِ، فَحَمَلَ أمْرَهُ عَلى أنَّهُ مَظْلُومٌ كَما يَقُولُ، فَدَعاهُ ذَلِكَ إلى أنْ لا يَسْألَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فاسْتَعْجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَخايِلَ الصِّدْقِ كَثِيرًا ما تَظْهَرُ عَلى الكاذِبِ، والحِيلَةُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى قَدِيمًا وحَدِيثًا، وفِيما وقَعَ مِن إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ عَلى الأصَحِّ ما يُزِيلُ الِاعْتِمادَ في هَذا البابِ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ ذَهَبَ إلى نَحْوِ هَذا، وزَعَمَ أنَّ ذَنْبَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ، إلّا أنَّهُ صَدَّقَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، وظَلَمَهُ قَبْلَ مَسْألَتِهِ، والسُّؤالُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ بِـ”إلى“ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ بِإضافَةِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ عَلى وجْهِ السُّؤالِ والطَّلَبِ، أوْ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ مُضافَةً إلى نِعاجِهِ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ أيِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهُمُ، الواحِدُ خَلِيطٌ، وهي الخِلْطَةُ، وقَدْ غَلَبَتْ في الماشِيَةِ، وفي حُكْمِها عِنْدَ الفُقَهاءِ كَلامٌ ذَكَرَ بَعْضًا مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ﴿لَيَبْغِي﴾ لِيَتَعَدّى، ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ غَيْرَ مُراعٍ حَقَّ الشَّرِكَةِ والصُّحْبَةِ. (p-182)﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنهُمْ، فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ أيْ وهم قَلِيلٌ جِدًّا، فَقَلِيلٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (وهُمْ) مُبْتَدَأٌ، وما زائِدَةٌ، وقَدْ جاءَتِ المُبالَغَةُ في القِلَّةِ مِنَ التَّنْكِيرِ وزِيادَةِ ما الإبْهامِيَّةِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا بُولِغَ فِيهِ كانَ مَظِنَّةً لِلتَّعَجُّبِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أقَلَّهُمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، وقُرِئَ ”لَيَبْغِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وأصْلُهُ لَيَبْغِيَنْ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: ؎اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ يُرِيدُ اضْرِبَنْ، ويَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ القَسَمُ وجَوابُهُ خَبَرٌ لِأنَّ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اللّامُ هي الواقِعَةُ في خَبَرِ أنَّ، وجُمْلَةُ (يَبْغِي) إلَخْ، هو الخَبَرُ، وقُرِئَ ”لَيَبْغِ“ بِحَذْفِ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ وقَوْلِهِ: ؎مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَتِمَّةٌ لِما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وقَدْ نَظَرَ فِيهِ ما كانَ عَلَيْهِ التَّداعِي كَما هو ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالخُلَطاءِ، فَإنَّهُ غالِبٌ في الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم في الماشِيَةِ، وجُعِلَ عَلى وجْهِ اسْتِعارَةِ النَّعْجَةِ ابْتِداءَ تَمْثِيلٍ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ التَّداعِي كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ البَغْيَ أمْرٌ يُوجَدُ فِيما بَيْنَ المُتَلابِسَيْنِ، وخَصَّ الخُلَطاءَ لِكَثْرَتِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا عَجَبَ مِمّا شَجَرَ بَيْنَكُمْ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَصْدُ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، والتَّرْغِيبُ في إيثارِ عادَةِ الخُلَطاءِ الَّذِينَ حُكِمَ لَهم بِالقِلَّةِ، وأنْ يُكَرِّهَ إلَيْهِمُ الظُّلْمَ والِاعْتِداءَ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُهم مَعَ التَّأسُّفِ عَلى حالِهِمْ، وأنْ يُسَلِّيَ المَظْلُومَ عَمّا جَرى عَلَيْهِ مِن خَلِيطِهِ، وأنَّ لَهُ في أكْثَرِ الخُلَطاءِ أُسْوَةً أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي جَرى بَيْنَكُما أيُّها الخَلِيطانِ كَثِيرًا ما يَجْرِي بَيْنَ الخُلَطاءِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ إلى خُصُوصِ حالِهِما، قالَ في الكَشْفِ: والمَحْمَلُ الأظْهَرُ هَذا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو تَذْيِيلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأظْهَرَ حَمْلُ الخُلَطاءِ عَلى المُتَعارِفَيْنِ والمُتَضادَّيْنِ، وأضْرابِهِمْ مِمَّنْ بَيْنَهم مُلابَسَةٌ شَدِيدَةٌ، وامْتِزاجٌ عَلى نَحْوِ: إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، والغَلَبَةُ في الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم في عُرْفِ الفُقَهاءِ، فَذِكْرُ الخُلَطاءِ لا يُنافِي ذِكْرَ الحَلائِلِ، إذْ لَمْ تُرَدِ الخِلْطَةُ اهـ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُنافِ ذِكْرَ الحَلائِلِ لَكِنَّ أوْلَوِيَّةَ عَدَمِ إرادَةِ الحَلائِلِ، وإبْقاءَ النَّعْجَةِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ الظَّنُّ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ الظّاهِرَةِ، وفي البَحْرِ: لَمّا كانَ الظَّنُّ الغالِبُ يُقارِبُ العِلْمَ اسْتُعِيرَ لَهُ، فالمَعْنى: وعَلِمَ داوُدُ وأيْقَنَ بِما جَرى في مَجْلِسِ الحُكُومَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ، وقِيلَ: لَمّا قَضى بَيْنَهُما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدا إلى السَّماءِ حِيالَ وجْهِهِ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ، وجُوِّزَ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنْكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَجِيءَ الظَّنِّ بَعْدَ العِلْمِ اليَقِينِيِّ، وقالَ: لَسْنا نَجِدُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما هو تَوْقِيفٌ بَيْنَ مُعْتَقَدَيْنِ غَلَبَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتُوقِعُهُ العَرَبُ عَلى العِلْمِ الَّذِي لَيْسَ بِواسِطَةِ الحَواسِّ، فَإنَّهُ اليَقِينُ التّامُّ، ولَكِنْ يَخْلِطُ النّاسُ في هَذا ويَقُولُونَ: ظَنَّ بِمَعْنى أيْقَنَ إلى آخِرِ ما أطالَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ إطْلاقَ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ حَقِيقَةٌ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مَجازٌ، وظاهِرُ ما بَعْدُ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وأنما المَفْتُوحَةُ عَلى ما حَقَّقَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كالمَكْسُورَةِ، ومَن قالَ بِإفادَتِها إيّاهُ (p-183)حَمْلًا عَلى المَكْسُورَةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ لَمْ يَدَّعِ الِاطِّرادَ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ ها هُنا قَصْرَ الفِتْنَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ يَقْتَضِي انْفِصالَ الضَّمِيرِ، ولا قَصْرَ ما فُعِلَ بِهِ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَنْحَلُّ إلى عامٍّ وخاصٍّ، فَمَعْنى ضَرَبْتُهُ فَعَلْتُ ضَرْبَهُ، عَلى أنَّ المَعْنى ما فَعَلْنا بِهِ إلّا الفِتْنَةَ، كَما قالَ أبُو السُّعُودِ، لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ: تَعَسُّفٌ وإلْغازٌ، ومَن يَدَّعِي الِاطِّرادَ يَلْتَزِمُ الثّانِيَ مِنَ القَصْرَيْنِ المَنفِيَّيْنِ، ويَمْنَعُ كَوْنَ ما ذُكِرَ تَعَسُّفًا وإلْغازًا. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ”فَتَّنّاهُ“ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ مُبالَغَةً، والضَّحّاكُ ”افْتَنّاهُ“ كَقَوْلِهِ عَلى ما نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: ؎لَئِنْ فَتَنْتَنِي لَهي بِالأمْسِ افْتَنَّتْ ∗∗∗ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ غَوى كُلُّ مُسْلِمِ وقَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”أنَّما فَتَناهُ“ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وهو راجِعٌ إلى الخَصْمَيْنِ، ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ إثْرَ ما عَلِمَ أنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ أيْ ساجِدًا عَلى أنَّ الرُّكُوعَ مَجازٌ عَنِ السُّجُودِ، لِأنَّهُ لِإفْضائِهِ إلَيْهِ جُعِلَ كالسَّبَبِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ لِمُشابَهَتِهِ لَهُ في الِانْحِناءِ والخُضُوعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَخْلَةٌ راكِعَةٌ ونَخْلَةٌ ساجِدَةٌ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎فَخَرَّ عَلى وجْهِهِ راكِعًا ∗∗∗ وتابَ إلى اللَّهِ مِن كُلِّ ذَنْبِ وقِيلَ: أيْ خَرَّ لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ مُصَلِّيًا عَلى أنَّ الرُّكُوعَ بِمَعْنى الصَّلاةِ لِاشْتِهارِ التَّجَوُّزِ بِهِ عَنْها، وتَقْدِيرُ مُتَعَلِّقٍ لِخَرَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ غَلَبَةُ فَحْواهُ، لِأنَّهُ بِمَعْنى سَقَطَ عَلى الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ . وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: أيْ خَرَّ مِن رُكُوعِهِ أيْ سَجَدَ بَعْدَ أنْ كانَ راكِعًا، وظاهِرُهُ إبْقاءُ الرُّكُوعِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُعِلَ خَرَّ بِمَعْنى سَجَدَ، والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْنا، واسْتَشْهَدَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأصْحابُهُ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ في سَجْدَةِ التِّلاوَةِ، وهو قَوْلُ الخَطّابِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الصَّلاةِ وخارِجِها، كَما في البَزازِيَّةِ وغَيْرِها. وفي الكَشْفِ قالُوا أيِ الحَنَفِيَّةُ: إنَّ القِياسَ يَقْتَضِي أنْ يَقُومَ الرُّكُوعُ مَقامَ السُّجُودِ لِأنَّ الشّارِعَ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وتُجُوِّزَ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ وإغْنائِهِ غِناءَهُ. وأيَّدُوهُ بِأنَّ السُّجُودَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِعَيْنِهِ، ولِهَذا لَمْ يُشْرَعْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً بَلْ لِلْخُضُوعِ، وهو حاصِلٌ بِالرُّكُوعِ، ”فَإنْ قُلْتَ“: إنَّ سَجْدَةَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ سَجْدَةَ شُكْرٍ، والكَلامُ في سَجْدَةِ التِّلاوَةِ، قُلْتُ: لا، عَلَيَّ في ذَلِكَ، لِأنِّي لَمْ أسْتَدِلَّ بِفِعْلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ إيّاهُ مُغْنِيًا غِناءَ السُّجُودِ، ولِأصْحابِنا يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ أنْ يَمْنَعُوا أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ ما ذَكَرُوهُ، بَلْ مُطْلَقُ المَيْلِ عَنِ الخُضُوعِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما أوْ لِأنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ كَما قالَ الحَسَنُ: لا يَكُونُ ساجِدًا حَتّى يَرْكَعَ، أوْ خَرَّ مُصَلِّيًا، والمُعْتَبَرُ غايَةُ الخُضُوعِ، ولَيْسَ في الرُّكُوعِ، اهـ. ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السُّجُودُ، ولَمْ نَقِفْ في خَبَرٍ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَكَعَ لِلتِّلاوَةِ بَدَلَهُ، ولَوْ مَرَّةً، وكَذا أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولَيْسَ أمْرُ القِياسِ المَذْكُورِ بِالقَوِيِّ، فالأحْوَطُ فِعْلُ الوارِدِ لا غَيْرُ، بَلْ قالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ قَوْلَ الأصْحابِ لا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقامَ السَّجْدَةِ ظاهِرٌ في جَوازِ الرُّكُوعِ، وهو بَعِيدٌ، والقِياسُ حُرْمَتُهُ، وعَنى صاحِبُ الكَشْفِ بِما ذُكِرَ في السُّؤالِ مِن أنَّ سَجْدَةَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ سَجْدَةَ شُكْرٍ أنَّها كانَتْ كَذَلِكَ مِن نَبِيِّنا ﷺ. فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ (p-184)ﷺ سَجَدَ في (ص) وقالَ: سَجَدَها داوُدُ تَوْبَةً، ونَسْجُدُها شُكْرًا». أيْ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خِلافِ الأوْلى بِعَلِيِّ شَأْنِهِ، وقَدْ لَقِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ذَلِكَ مِنَ القَلَقِ المُزْعِجِ ما لَمْ يَلْقَهُ غَيْرُهُ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وآدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ لَقِيَ أمْرًا عَظِيمًا أيْضًا لَكِنَّهُ كانَ مَشُوبًا بِالحُزْنِ عَلى فِراقِ الجَنَّةِ، فَجُوزِيَ لِذَلِكَ بِأمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ نِعْمَةً تَسْتَوْجِبُ دَوامَ الشُّكْرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولِقِصَّتِهِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ شَبَهٌ لِما وقَعَ لِنَبِيِّنا ﷺ في قِصَّةِ زَيْنَبَ المُقْتَضِي لِلْعُتْبِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ الآيَةَ، فَيَكُونُ ذِكْرُها مُذَكِّرًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما وقَعَ وما آلَ الأمْرُ إلَيْهِ مِمّا هو أرْفَعُ وأجَلُّ، فَكَأنَّ ذَلِكَ اقْتَضى دَوامَ الشُّكْرِ بِإظْهارِ السُّجُودِ لَهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ وجْهُ تَخْصِيصِ داوُدَ بِذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ نَظِيرِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَتَأمَّلْهُ، ولا تَغْفُلْ عَنْ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً عَلى الصَّحِيحِ، وقِصَّةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَدَنِيَّةٌ، ويَنْحَلُّ الإشْكالُ بِالتِزامِ كَوْنِ السُّجُودِ بَعْدَ القِصَّةِ فَلْيَنْقَرَّ، وهي عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ إحْدى سَجَداتِ التِّلاوَةِ الواجِبَةِ كَما ذُكِرَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، ومَن فَسَّرَ ﴿وخَرَّ راكِعًا﴾ بِخَرَّ لِلسُّجُودِ مُصَلِّيًا ذَهَبَ إلى أنَّ ما وقَعَ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلاةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السُّجُودِ وكانَتْ لِلِاسْتِغْفارِ، وقَدْ جاءَ في شَرِيعَتِنا مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ في خَبَرٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِحَمْلِ ما هُنا عَلى صَلاةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ، وإنَّما وقَفْنا عَلى أنَّهُ سَجَدَ وأنابَ، أيْ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب