الباحث القرآني
﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أيْ هم جُنْدٌ إلَخْ، فَجُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ مُقَدَّمًا كَما هو الظّاهِرُ، (وما) مَزِيدَةٌ، قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، نَحْوُ: أكَلْتُ شَيْئًا ما، وقِيلَ: لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ ﴿مَهْزُومٌ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِالعَظَمَةِ والكَثْرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهي بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَظَمَةً وكَثْرَةً، وفي نَفْسِ الأمْرِ ذِلَّةٌ وقِلَّةٌ، ورُجِّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في كَلامِهِمْ كَوْنُها لِلتَّعْظِيمِ، نَحْوَ: لِأمْرٍ ما جُدِعَ قَصِيرُ أنْفِهِ، لِأمْرٍ ما يَسُودُ مَن يَسُودُ.
وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وحَدِيثَ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنًا وحَدِيثَ ما عَلى قِصَرِهِ
مَعَ أنَّ الكَلامَ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ وتَبْشِيرِهِ بِانْهِزامِهِمْ، وذَلِكَ أكْمَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، قِيلَ: إنَّ التَّبْشِيرَ بِخِذْلانِ عَدَدٍ حَقِيرٍ رُبَّما أشْعَرَ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ أمْضى مِنَ العَصا
وفِيهِ نَظَرٌ، وهنالك، صِفَةُ ﴿جُنْدٌ﴾، أوْ ظَرْفٌ، ﴿مَهْزُومٌ﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَكانِ البَعِيدِ، وأُرِيدَ بِهِ عَلى قَوْلِ المَكانِ الَّذِي تَفاوَضُوا فِيهِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِتِلْكَ الكَلِماتِ السّابِقَةِ، وهو مَكَّةُ، وجَعَلَ ذَلِكَ إخْبارًا بِالغَيْبِ عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هُنالِكَ إذا كانَ إشارَةً إلى مَكَّةَ، ومُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ لا يَتَسَنّى هَذا إلّا إذا أُرِيدَ مِن مَكَّةَ ما يَشْمَلُ بَدْرًا، ومهزوم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأصْلُ الهَزْمِ غَمْزُ الشَّيْءِ اليابِسِ حَتّى يَنْحَطِمَ كَهَزْمِ الشِّنِّ، وهَزْمِ القِثّاءِ والبِطِّيخِ، ومِنهُ الهَزِيمَةُ لِأنَّهُ كَما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحَطْمِ والكَسْرِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا لَمْ يَقَعْ بِاسْمِ المَفْعُولِ المُؤْذِنِ بِالوُقُوعِ عَلى ما في بَعْضِ شُرُوحِ الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ قُرْبِهِ حَتّى كَأنَّهُ مُحَقَّقٌ، ومن الأحزاب صِفَةُ جند أيْ هم جُنْدٌ قَلِيلُونَ أذِلّاءُ، أوْ كَثِيرُونَ عُظَماءُ، كائِنُونَ هُنالِكَ مِنَ الكُفّارِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الرُّسُلِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ، أوْ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ بِما تَكَلَّمُوا، فَلا تُبالِ بِما يَقُولُونَ، ولا تَكْتَرِثْ بِما يَهْذُونَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما زائِدَةٌ، وهُنالِكَ نَعْتٌ، وكَذا (مِنَ الأحْزابِ)، (ومَهْزُومٌ) خَبَرٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بَعْدُ التِفاتَةَ عَنِ (p-170)الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، واعْتَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ، أيْ ما هم إلّا جُنْدٌ مِنَ المُتَحَزِّبِينَ مَهْزُومٌ عَنْ قَرِيبٍ لا يَتَجاوَزُونَ الجُنْدِيَّةَ المَذْكُورَةَ إلى الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ في مَنشَإ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ حَقُّ الجُنْدِ أنْ يُعَرَّفَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا فَنُكِّرَ سَوْقًا لِلْمَعْلُومِ مَساقَ المَجْهُولِ، كَأنَّهُ لا يُعَرَّفُ مِنهم إلّا هَذا القَدْرُ، وهو أنَّهم جُنْدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ التَّفْخِيمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّنْكِيرِ، وزِيادَةُ (ما) الدّالَّةِ عَلى الشُّيُوعِ وغايَةِ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِما عَلى اخْتِصاصِ الوَصْفِ بِالجُنْدِيَّةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الصِّفاتِ، كَأنَّهُ لا وصْفَ لَهم غَيْرُها، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، ويُفْهَمُ كَلامُ العَلّامَةِ الثّانِي أنَّهُ اعْتِبارُ كَوْنِ ﴿جُنْدٌ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿هُنالِكَ﴾ المَوْضُوعَ لِلْإشارَةِ إلى المَكانِ البَعِيدِ مُسْتَعارًا لِلْمَرْتَبَةِ مِنَ العُلُوِّ والشَّرَفِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى حَيْثُ وضَعُوا فِيهِ أنْفُسَهم مِنَ الانْتِدابِ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، كَما في قَوْلِهِمْ لِمَنِ انْتُدِبَ لِأمْرٍ لَيْسَ مِن أهْلِهِ: لَسْتَ هُنالِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الذَّمِّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، أيْ هم جُنْدٌ لَيْسُوا حَيْثُ وضَعُوا أنْفُسَهم.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ولا يَلِيقُ بِالمَقامِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿هُنالِكَ﴾ إشارَةً إلى الزَّمانِ البَعِيدِ، وهي كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: قَدْ يُشارُ بِها إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ وتَتَعَلَّقُ (بِمَهْزُومٌ)، والكَلامُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، إمّا عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، كَما تَقَدَّمَ حِكايَتُهُ، أوْ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى زَمانِ الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ إذا ارْتَقَوْا في الأسْبابِ، ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقِيلَ: (ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وهُنالِكَ في مَوْضِعِ الصِّلَةِ، (وجُنْدٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (ومَهْزُومٌ)، (ومِنَ الأحْزابِ) صِفَتانِ، وهُما المَقْصُودانِ بِالإفادَةِ، (وما هُنالِكَ) إشارَةٌ إلى مَكَّةَ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ فِيها المُشْرِكُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم (بِما) لِأنَّهم كالأنْعامِ، بَلْ هم أضَلُّ، وقِيلَ: الأصْنامُ وعَبَدَتُها، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِما عَلَيْهِ أظْهَرُ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في كَلامِ أبِي البَقاءِ، وزِيادَةٌ لا تَخْفى.
{"ayah":"جُندࣱ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومࣱ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











