الباحث القرآني

﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ كَما هو المَعْهُودُ في نَظائِرِهِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى شايَعَهُ؟ فَقِيلَ: شايَعَهُ إذْ جاءَ رَبَّهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِشِيعَةٍ لِما فِيهِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ. ورُدَّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُ ما قَبْلَ لامِ الِابْتِداءِ فِيما بَعْدَها، وهم لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لِلصَّدارَةِ، فَلا يُقالُ: إنَّ ضارِبًا لَقادِمٌ عَلَيْنا زَيْدًا، وكَذا يَلْزَمُ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو لا يَجُوزُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن كُلٍّ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا لِتَوَسُّعِهِمْ فِيهِ. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أيْ سالِمٍ مِن جَمِيعِ الآفاتِ كَفَسادِ العَقائِدِ والنِّيّاتِ السَّيِّئَةِ والصِّفاتِ القَبِيحَةِ كالحَسَدِ والغِلِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعَنْقَتادَةَ تَخْصِيصُ السَّلامَةِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الشِّرْكِ، والتَّعْمِيمُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى، أوْ سالِمٍ مِنَ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مَحَبَّتِها والرُّكُونِ إلَيْها وإلى أهْلِها، وقِيلَ: ”سَلِيمٍ“ أيْ حَزِينٍ وهو مَجازٌ مِنَ السَّلِيمِ بِمَعْنى اللَّدِيغِ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيهِ سَلِيمًا تَفاؤُلًا بِسَلامَتِهِ وصارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وما تَقَدَّمَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، والباءُ - قِيلَ - لِلتَّعْدِيَةِ. والمُرادُ بِمَجِيئِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ إخْلاصُهُ قَلْبَهُ لَهُ - تَعالى - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، ومَبْناها تَشْبِيهُ إخْلاصِهِ قَلْبَهُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَجِيئِهِ إلَيْهِ تَعالى بِتُحْفَةٍ في أنَّهُ سَبَبٌ لِلْفَوْزِ بِالرِّضا، ويُكْتَفى بِامْتِناعِ الحَقِيقَةِ - مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ المَدْحِ - قَرِينَةً، فَحاصِلُ مَعْنى التَّرْكِيبِ إذْ أخْلَصَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلَّهِ تَعالى قَلْبَهُ السَّلِيمَ مِنَ الآفاتِ أوِ المُنْقَطِعَ عَنِ العَلائِقِ أوِ الحَزِينَ المُنْكَسِرَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ سَلامَةَ القَلْبِ عَنِ الآفاتِ لا تَكُونُ بِدُونِ الإخْلاصِ، وكَذا الِانْقِطاعُ عَنِ العَلائِقِ لا يَكُونُ بِدُونِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُما قَدْ يَكُونانِ بِدُونِ ذَلِكَ كَما في القُلُوبِ البُلْهِ. وفي المُطْلِعِ مَعْنى مَجِيئِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ أنَّهُ أخْلَصَ قَلْبَهُ لِلَّهِ تَعالى وعَلِمَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مِنهُ كَما يُعْلَمُ الغائِبُ وأحْوالُهُ بِمَجِيئِهِ وحُضُورِهِ، فَضُرِبَ المَجِيءُ مَثَلًا لِذَلِكَ اهـ، وجُعِلَ في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ تُشَبَّهَ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِن إخْلاصِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَلْبَهُ لِرَبِّهِ تَعالى وعَلِمِهِ سُبْحانَهُ ذَلِكَ الإخْلاصَ مِنهُ مَوْجُودًا بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ المَجِيءِ بِالغائِبِ بِمَحْضَرِ شَخْصٍ ومَعْرِفَتِهِ إيّاهُ وعِلْمِهِ بِأحْوالِهِ ثُمَّ يُسْتَعارُ ما يُسْتَعارُ، ولِتَأْدِيَةِ هَذا المَعْنى عُدِلَ عَنْ جاءَ رَبَّهُ سَلِيمَ القَلْبِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ، وقِيلَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ ولَعَلَّهُ المُتَبادِرُ، والمُرادُ بِمَجِيئِهِ رَبَّهُ حُلُولُهُ في مَقامِ الِامْتِثالِ ونَحْوِهِ، وذُكِرَ أنَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَمّا سَمِعْتَ إلى ما في النَّظْمِ سَلامَتُهُ مِن تَوَهُّمِ أنَّ الحالَ مُنْتَقِلَةٌ لِما أنَّ الِانْتِقالَ أغْلَبُ حالَيْها مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ في أنَّ سَلامَةَ القَلْبِ كانَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ المَجِيءِ أيْضًا فَلْيُتَدَبَّرْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب