الباحث القرآني

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ أيْ لا يَتَسَمَّعُونَ وهَذا أصْلُهُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُلِّ شَيْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّياطِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا يَسْمَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، والمَلَأُ في الأصْلِ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلى رَأْيٍ فَيَمْلُئُونَ العُيُونَ رِواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الجَماعَةِ وعَلى الأشْرافِ مُطْلَقًا، والمُرادُ بِالمَلَأِ الأعْلى المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ لِأنَّهم في جِهَةِ العُلُوِّ ويُقابِلُهُ المَلَأُ الأسْفَلُ وهُمُ الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّهم في جِهَةِ السُّفْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم كُتّابُهُمْ، وفُسِّرَ العُلُوُّ عَلى الرِّوايَتَيْنِ بِالعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ. وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِـ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإصْغاءِ أيْ لا يَسْمَعُونَ مُصْغِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى، والمُرادُ نَفْيُ سَماعِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُصْغِينَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مانِعٍ عَظِيمٍ ودَهْشَةٍ تُذْهِلُهم عَنِ الإدْراكِ، وكَذا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عَنْهُ - وابْنِ وثّابٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ وطِلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ التَّفَعُّلَ لا يُخالِفُ ثُلاثِيَّهُ في التَّعْدِيَةِ، واسْتِعْمالُ تَسَمَّعَ مَعَ إلى لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ مُضَمَّنٍ، وقِيلَ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ عَلَيْها، والتَّفَعُّلِ مُؤْذِنٌ بِالطَّلَبِ فَتَسَمَّعَ بِمَعْنى طَلَبَ السَّماعِ، قِيلَ: ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِالإصْغاءِ لِأنَّ طَلَبَ السَّماعِ يَكُونُ بِالإصْغاءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، وإنْ لَمْ يُقَلْ بِالتَّضْمِينِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِالتَّضْمِينِ، ونَفْيُ طَلَبِهِمُ السَّماعَ مَعَ وُقُوعِهِ مِنهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا لِذَلِكَ - إمّا ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ سَماعِهِمْ، أوْ هو عَلى ما قِيلَ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلى مَحَلِّ الخَطَرُ لِخَوْفِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ حَتّى يُدْهَشُوا عَنْ طَلَبِ السَّماعِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ نَفْيَ التَّسَمُّعِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ وهو السَّمْعُ. وقالَ ابْنُ كَمالٍ: عُدِّيَ الفِعْلُ في القِراءَتَيْنِ بِـ ”إلى“ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ أيْ لا يَنْتَهُونَ بِالسَّمْعِ أوِ التَّسَمُّعِ إلى المَلَأِ الأعْلى، ولَيْسَ بِذاكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ الصّادِقِ، والجُمْلَةُ في المَشْهُورِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا ولَمْ يُجَوَّزْ كَوْنُها صِفَةً لِشَيْطانٍ، قالُوا: إذْ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِن شَياطِينَ لا تَسْمَعُ أوْ لا تَسَّمَعُ مَعَ إيهامِهِ لِعَدَمِ الحِفْظِ عَمَّنْ عَداها. وكَذا لِمَ يُجَوَّزْ كَوْنُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا واقِعًا جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ إذِ المُتَبادِرُ أنْ يُؤْخَذَ السُّؤالُ مِن فَحْوى ما قَبْلُهُ فَتَقْدِيرُهُ حِينَئِذٍ لَمْ تُحْفَظْ فَيَعُودُ مَحْذُورَ الوَصْفِيَّةِ، وكَذا كَوْنُها حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الحالَ كَذَلِكَ يُقَدِّرُها صاحِبُها والشَّياطِينُ لا يُقَدِّرُونَ عَدَمَ السَّماعِ أوْ عَدَمَ التَّسَمُّعِ ولا يُرِيدُونَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَها صِفَةً والمُرادُ حِفْظُ السَّماواتِ مِمَّنْ لا يَسْمَعُ أوْ لا يَسَّمَعُ بِسَبَبِ هَذا الحِفْظِ، وهو نَظِيرُ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا﴾، ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾، ﴿والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ ومِن هُنا لَمْ يَجْعَلْ بَعْضُ الأجِلَّةِ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «مِن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» مِن مَجازِ الأوَّلِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ: ”اضْرَبِ الرَّجُلَ المَضْرُوبَ“ كَوْنُهُ مَضْرُوبًا بِهَذا الضَّرْبِ المَأْمُورِ بِهِ لا بِضَرْبٍ آخَرَ قَبْلَهُ، وكَذا جَوَّزَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَها صِفَةً وكَوْنَها مُسْتَأْنِفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أيْضًا، ودَفَعَ المَحْذُورَ وأبْعَدَ في ذَلِكَ المَغْزى كَعادَتِهِ في سائِرِ تَحْقِيقاتِهِ فَقالَ: المَعْنى لا يُمَكَّنُونَ مِنَ السَّماعِ (p-70)مَعَ الإصْغاءِ أوْ لا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّسَمُّعِ مُبالَغَةً في نَفْيِ السَّماعِ كَأنَّهم مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في الطَّلَبِ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن ذَلِكَ، جُعِلَتِ الجُمْلَةُ وصْفًا أوَّلًا جَمْعًا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ وتَوْفِيَةً لِحَقِّ الإصْغاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ”إلى“ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَصْفُ شَدِيدَ الطِّباقِ، ورَدُّ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ وارِدٌ عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ (لِمَ تُحْفَظُ؟) ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلِ السُّؤالُ عَمّا يَكُونُ عِنْدَ الحِفْظِ وعَنْ كَيْفِيَّتِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ مِمّا يُحَرِّكُ الذِّهْنَ لَهُ فَقِيلَ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ جَوابًا عَمّا يَكُونُ عِنْدَهُ ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها مَبْدَأ اقْتِصاصٍ مُسْتَطْرِدٍ لِئَلّا يَنْقَطِعَ ما لَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ مَعْنًى انْتَهى. واسْتَدَقَّهُ الخَفاجِيُّ واسْتَحْسَنَهُ وذَكَرَ أنَّ حاصِلَهُ أنَّهُ لَيْسَ المَنفِيُّ هُنا السَّماعَ المُطْلَقَ حَتّى يَلْزَمَ ما ظَنُّوهُ مِن فَسادِ المَعْنى لِأنَّهُ لَمّا تَعَدّى بِـ”إلى“ وتَضَمَّنَ مَعْنى الإصْغاءِ صارَ المَعْنى حَفِظْناها مِن شَياطِينَ لا تُنْصِتُ لِما فِيها إنْصاتًا تامًّا تَضْبِطُ بِهِ ما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَآلُهُ حَفِظْناها مِن شَياطِينَ مُسْتَرِقَةٍ لِلسَّمْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ﴾ إلَخْ يُنادِي عَلى صِحَّتِهِ، والمُناقَشَةُ بِحَدِيثِ الأوْصافِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ إنْ جاءَتْ لا تَتِمُّ فالحَدِيثُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسْمَعُوا عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”حِفْظًا“ فَحُذِفَتِ اللّامُ كَما في جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي ثُمَّ حُذِفَتْ أنْ ورُفِعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: ؎ألّا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي وفِيهِ أنْ حَذَفَ (اللّامَ) وحَذَفَ (أنْ) ورَفَعَ الفِعْلَ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما واقِعًا في الفَصِيحِ إلّا أنَّ اجْتِماعَ الحَذْفَيْنِ مُنْكَرٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وأبُو البَقاءِ يُجَوِّزُ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً وكَوْنَها اسْتِئْنافًا وكَوْنَها حالًا فَلا تَغْفُلْ. ﴿ويُقْذَفُونَ﴾ أيْ يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ مِن جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا الصُّعُودَ إلَيْها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرْمى مِن كُلِّ جانِبٍ بَلْ هو عَلى التَّوْزِيعِ أيْ كُلُّ مَن صَعِدَ مِن جانِبٍ رُمِيَ مِنهُ. وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”يَقْذِفُونَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ولَعَلَّ الفاعِلَ المَلائِكَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَواكِبَ، وأمْرُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ سَهْلٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب