الباحث القرآني

﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ البَيْضُ مَعْرُوفٌ وهو اسْمُ جِنْسٍ الواحِدَةُ بَيْضَةٌ ويُجْمَعُ عَلى بَيُوضٍ كَما في قَوْلِهِ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بَيُوضُها والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ الَّذِي كَنَّهُ الرِّيشُ في العُشِّ أوْ غَيْرُهُ في غَيْرِهِ، فَلَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولَمْ يُصِبْهُ الغُبارُ في الصَّفاءِ وشَوْبِ البَياضِ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ كَما في الدُّرِّ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِبَيْضِ النَّعامِ في الأداحِيِّ لِكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِ البَيْضِ وأبْعَدَ عَنْ مَسِّ الأيْدِي ووُصُولِ ما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ النِّساءَ بِالبَيْضِ ويَقُولُونَ لَهُنَّ بَيْضاتُ الخُدُورِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ والبَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ في النِّساءِ مَرْغُوبٌ فِيهِ جِدًّا، قِيلَ: وكَذا البَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ حُمْرَةٍ في الرِّجالِ وأمّا البَياضُ الصَّرْفُ فَغَيْرُ مَحْمُودٍ ولِذا ورَدَ في الحِلْيَةِ الشَّرِيفَةِ ”أبْيَضُ لَيْسَ بِالأمْهَقِ“. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ (p-90)أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ ما تَحْتَ القِشْرِ الصُّلْبِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللُّبابِ الأصْفَرِ، والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّبْخِ في النُّعُومَةِ والطَّراوَةِ، فالبَيْضَةُ إذا طُبِخَتْ وقُشِّرَتْ ظَهَرَ ما تَحْتَ القِشْرَةِ عَلى أتَمِّ نُعُومَةٍ وأكْمَلِ طَراوَةٍ، ومِن هُنا تَسْمَعُ العامَّةَ يَقُولُونَ في مَدْحِ المَرْأةِ: كَأنَّها بَيْضَةٌ مُقَشَّرَةٌ، ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ الوَصْفَ بِمَكْنُونٍ يَقْتَضِيهِ دُونَ المَشْهُورِ لِأنَّ خارِجَ قِشْرِ البَيْضَةِ لَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْضِ مَجْمُوعُ القِشْرِ وما فِيهِ، وأكَلْتُ كَذا بَيْضَةٍ الأكْلُ فِيهِ قَرِينَةُ إرادَةِ ما في القِشْرِ دُونَ المَجْمُوعِ إذْ لا يُؤْكَلُ عادَةً، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ ما قالَهُ الطَّبَرَيُّ، فالأوَّلُ هو المَقْبُولُ، ومَعْنى المَكْنُونِ فِيهِ ظاهِرٌ عَلى ما سَمِعْتَ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ هَذا المَعْنى عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَلامِ العَرَبِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى رِوايَتِهِ عَنِ الحَبْرِ ومَن مَعَهُ وإلّا لا يَتَسَنّى لَهُ ما قالَ، ولَعَلَّ الرِّوايَةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ ثابِتَةٍ وكَذا ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَبْرِ مِن أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ الجَوْهَرُ المَصُونُ لِنُبُوِّ ظاهِرِ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ في تَناسُبِ الأجْزاءِ، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ والتَّناسُبُ مَمْدُوحٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ مُتَغَزِّلًا: ؎تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ - بَعْدَ فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ تَناسُبَ الأجْزاءِ في البَيْضَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم - أنَّ الوَصْفَ بِالمَكْنُونِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ دَخْلٌ في التَّشْبِيهِ، واسْتُشْكِلَ التَّشْبِيهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِآيَةِ عَرُوسِ القُرْآنِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في أنَّ في ألْوانِهِنَّ حُمْرَةً، وأيْنَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ عَلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ؟ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ النُّعُومَةُ والطَّراوَةُ كَما رُوِيَ ثانِيًا، أوْ مِن حَيْثُ تَناسُبُ الأجْزاءِ كَما قِيلَ أخِيرًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهاتُ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ غَيْرَ المُشَبَّهاتِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وكَوْنُ البَياضِ المَشُوبِ بِالصُّفْرَةِ أحْسَنَ الألْوانِ في النِّساءِ غَيْرُ مَسَلَّمٍ بَلْ هو حَسَنٌ ومِثْلُهُ في الحُسْنِ البَياضُ المَشُوبُ بِحُمْرَةٍ عَلى أنَّ الأحْسَنِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ طِباعِ الرّائِينَ: ؎ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ والجَنَّةُ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ. وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ أبْدانِهِنَّ المَشُوبِ بِصُفْرَةٍ ما عَدا وُجُوهَهُنَّ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ وُجُوهِهِنَّ المَشُوبِ بِحُمْرَةٍ، وقِيلَ: تَشْبِيهُهُنَّ بِهَذا لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّ بَياضَهُنَّ مَشُوبٌ بِحُمْرَةٍ، بَلْ تَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ مِن حَيْثُ الصَّفاءُ وبِالمَرْجانِ مِن حَيْثُ الإمْلاسُ وجَمالُ المَنظَرِ. وإذا أُرِيدَ بِالمَرْجانِ الدُّرَرُ الصِّغارُ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ - دُونَ الخَرَزِ الأحْمَرِ المَعْرُوفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ البَياضُ المَشُوبُ بِصُفْرَةٍ فَلا إشْكالَ أصْلًا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب