الباحث القرآني

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَتَساءَلُونَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ أوِ الكَفَرَةُ مُطْلَقًا لِلْقُرَناءِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدُّنْيا ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الخَيْرِ وناحِيَتِهِ فَتَنْهَوْنَنا عَنْهُ وتَصُدُّونَنا قالَهُ قَتادَةُ، ولِشَرَفِ اليَمِينِ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا دُنْيا وأُخْرى اسْتُعِيرَتْ لِجِهَةِ الخَيْرِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَحْقِيقِيَّةً، وجُعِلَتِ اليَمِينُ مَجازًا عَنْ جِهَةِ الخَيْرِ مَعَ أنَّهُ مَجازٌ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجازًا عَلى المَجازِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمالِهِ التَحَقَ بِالحَقِيقَةِ فَيَجُوزُ فِيهِ المَجازُ عَلى المَجازِ كَما قالُوا في المَسافَةِ؛ فَإنَّها مَوْضِعُ الشَّمِّ في الأصْلِ لِأنَّهُ مِن سافَ التُّرابَ إذا شَمَّهُ فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الطَّرِيقِ أخَذَ تُرابًا فَشَمَّهُ لِيَعْرِفَ أنَّهُ مَسْلُوكٌ أوْ لا، ثُمَّ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ البُعْدِ بَيْنَ المَكانَيْنِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِفَرْقِ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ ولا بُعْدَ هُناكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم حَمْلَ الكَلامِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ واعْتِبارَ التَّجَوُّزِ في مَجْمُوعِ ﴿تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ لِمَعْنى تَمْنَعُونَنا وتَصُدُّونَنا عَنِ الخَيْرِ، فَيَسْلَمُ الكَلامُ مِن دَعْوى المَجازِ عَلى المَجازِ؛ وكَأنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ الإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الخَيْرَ الَّذِي يَزْعُمُهُ المُضِلُّونَ خَيْرًا، وأنَّ المَعْنى تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ الخَيْرِ وتَزْعُمُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ودِينَ حَقٍّ فَتَخْدَعُونَنا وتُضِلُّونَنا، وحُكِيَ هَذا عَنِ الزَّجّاجِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِن جِهَةِ النَّصِيحَةِ واليُمْنِ والبَرَكَةِ فَتُرَغِّبُونَنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتُضِلُّونَنا، وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ اليَمِينُ مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ فَإنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالقُوَّةِ وبِها يَقَعُ البَطْشُ فَكَأنَّهُ أطْلَقَ المَحَلَّ عَلى الحالِ أوِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وتَشْبِيهِ القُوَّةِ بِالجانِبِ الأيْمَنِ في التَّقَدُّمِ ونَحْوِهِ، والمَعْنى إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ القُوَّةِ والقَهْرِ وتَقْصِدُونَنا عَنِ السُّلْطانِ والغَلَبَةِ حَتّى تَحْمِلُونا عَلى الضَّلالِ وتَقْسِرُونا عَلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وأنْ يَكُونَ اليَمِينُ حَقِيقَةً بِمَعْنى القَسَمِ ومَعْنى إتْيانِهِمْ عَنْهُ أنَّهم يَأْتُونَهم مُقْسِمِينَ لَهم عَلى حَقِّيَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وعَنْ بِمَعْنى الباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أوْ هو ظَرْفُ لَغْوٍ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ أنْ يُفَسَّرَ اليَمِينُ بِالشَّهْوَةِ والهَوى لِأنَّ جِهَةَ اليَمِينِ مَوْضِعَ الكَبِدِ، وهو مُخالِفٌ لِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ مَن أتاهُ الشَّيْطانُ مِن جِهَةِ (p-82)اليَمِينِ أتاهُ مِن قِبَلِ الدِّينِ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ الحَقَّ، ومَن أتاهُ مِن جِهَةِ الشَّمالِ أتاهُ مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ، ومَن أتاهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ أتاهُ مِن قِبَلِ التَّكْذِيبِ بِالقِيامَةِ والثَّوابِ والعِقابِ، ومَن أتاهُ مِن خَلْفِهِ خَوَّفَهُ الفَقْرَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى مَن يُخَلِّفُ بَعْدَهُ فَلَمْ يَصِلْ رَحِمًا ولَمْ يُؤَدِّ زَكاةً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب