الباحث القرآني
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ، وسُقُوطِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، واقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، وتُحْكى لِآخَرِينَ جِناياتُهُمْ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ الشَّياطِينُ وأُرِيدَ بِالنَّسَبِ المَجْعُولِ المُصاهَرَةُ.
أخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أيْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟ فَقالُوا: بَناتُ سَرَواتِ الجِنِّ، ورَوى هَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ، أوْ أُرِيدَ جَعَلُوا بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةً، حَيْثُ أشْرَكُوهم بِهِ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أخَوانِ، فاللَّهُ تَعالى هو الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ هو الشِّرِّيرُ اللَّئِيمُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وجَعَلُوا)... إلَخْ، وحَكى هَذا الطَّبْرَسِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أقْرَبُ الأقاوِيلِ، وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وأهْرَمَنَ، ويُعَبِّرُونَ عَنْهُما بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ عِنْدِي أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ (جَعَلُوا) كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ ولا عَنْ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ولَيْسَ المَقامُ لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ مُطْلَقًا.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ المَلائِكَةُ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ قَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والمُرادُ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وأُعِيدَ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجِنَّ والمَلَكَ جِنْسٌ واحِدٌ مَخْلُوقُونَ مِن عُنْصُرٍ واحِدٍ، وهو النّارُ، لَكِنْ مَن كانَ مِن كَثِيفِها الدُّخانِيِّ فَهو شَيْطانٌ، وهو شَرٌّ وتَمَرُّدٌ، ومَن كانَ مِن صافِي نُورِها فَهو مَلَكٌ، وهو خَيْرٌ كُلُّهُ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالجِنِّ الِاسْتِتارُ عَنْ عُيُونِنا، فالجِنُّ والجِنَّةُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ويَكُونُ عَلى هَذا تَخْصِيصُ الجِنِّ بِأحَدِ نَوْعَيْهِ تَخْصِيصًا طارِئًا كَتَخْصِيصِ الدّابَّةِ، وعَلى الأصْلِ جاءَ ما هُنا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ نَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يُسَمّى الجِنَّ ومِنهم إبْلِيسُ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنَّةِ حَطًّا لَهم مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الِاسْتِتارَ كالدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِهِمْ بِأنَّهُ إنَّما يَلِيقُ بِالإناثِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُونُوا بَناتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَما سَتَرَهم عَنِ العُيُونِ، فَلِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالجِنَّةِ، ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الشَّياطِينُ أيْ جِنْسُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْضِرُهم ولا بُدَّ النّارَ ويُعَذِّبُهم بِها، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ تَعالى، أوْ (p-152)شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ أوِ التَّصَرُّفِ لَما عَذَّبَهم سُبْحانَهُ، فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْجِنَّةِ عَلى ما عَدا الوَجْهَ الأخِيرَ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وأمّا عَلَيْهِ، فَهو لِلْكَفَرَةِ، أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ جَعَلُوا بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم نَسَبًا، وقالُوا: هم بَناتُهُ أنَّ الكَفَرَةَ لَمُحْضَرُونَ النّارَ مُعَذَّبُونَ بِها لِكَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّكْذِيبِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ يَدَّعِي لَهم هَؤُلاءِ تِلْكَ النِّسْبَةَ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهم بِحَقِيقَةِ الحالِ يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لِأجْلِهِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا، ويَجُوزُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الكَفَرَةِ أيْضًا، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وعِلْمُ المَلائِكَةِ أنَّ الكَفَرَةَ مُعَذَّبُونَ ظاهِرٌ، وعِلْمُ الشَّياطِينِ بِأنَّهم أنْفُسَهُمْ، وكَذا سائِرُ الكَفَرَةِ مُعَذَّبُونَ لِما أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - تَوَعَّدَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
{"ayah":"وَجَعَلُوا۟ بَیۡنَهُۥ وَبَیۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبࣰاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











