الباحث القرآني

﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَبْكِيتِ قُرَيْشٍ وإبْطالِ مَذْهَبِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ، وساقَ البَراهِينَ النّاطِقَةَ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ، وبَيَّنَ وُقُوعَهُ وما يَلْقُونَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَهُ المُخْلِصِينَ، وفَصَّلَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ مِن قَبْلِهِمْ أكْثَرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ أوْرَدَ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِنَوْعِ تَفْصِيلٍ مُتَضَمِّنًا كُلٌّ مِنها ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِمْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أمَرَهُ ﷺ ها هُنا بِتَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْ وجْهِ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ بِالكُلِّيَّةِ، وهي القِسْمَةُ الباطِلَةُ اللّازِمَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الزّائِغِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ كَبَعْضِ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وسُلَيْمٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ بِتَبْكِيتِهِمْ بِما يَتَضَمَّنُهُ كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ مِنَ الاسْتِهانَةِ بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِجَعْلِهِمْ إناثًا، ثُمَّ أبْطَلَ سُبْحانَهُ أصْلَ كُفْرِهِمُ المُنْطَوِيَ عَلى هَذَيْنِ الكُفْرَيْنِ وهو نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَنْظِمْهُ سُبْحانَهُ في سِلْكِ التَّبْكِيتِ لِمُشارَكَتِهِمُ اليَهُودَ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى المُعْتَقِدِينَ عِيسى ابْنَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ أعْلامَ الخَلْقِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عِبادُهُ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّبْكِيتَ ويُظْهِرُ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ رُسُلُ رَبِّكَ مَن عَلِمْتَ حالَهُمْ، فاسْتَخْبِرْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ عَنْ وجْهِ كَوْنِ البَناتِ وهُنَّ أوْضَعُ الجِنْسَيْنِ لَهُ تَعالى بِزَعْمِهِمْ، والبَنِينَ الَّذِينَ هم أرْفَعُهُما لَهم فَإنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُثْبِتُوا لَهُ وجْهًا، لِأنَّهُ في غايَةِ البُطْلانِ، لا يَقُولُهُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لِلْعَطْفِ عَلى ذاكَ، والتَّعْقِيبُ لِأنَّهُ أمَرَ بِهِما مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهي هُناكَ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وبِهَذا القَوْلِ أقُولُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ الطَّوِيلَ، وقَدِ اسْتَقْبَحَ النُّحاةُ الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ نَحْوَ: أكَلْتُ لَحْمًا، وأضْرِبُ زَيْدًا، وخُبْزًا، فَما ظَنُّكَ بِالفَصْلِ بِجُمَلٍ بَلْ بِما يَقْرُبُ مِن سُورَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ في عَطْفِ المُفْرَداتِ، وأمّا الجُمَلُ فَلِاسْتِقْلالِها يُغْتَفَرُ فِيها ذَلِكَ، والكَلامُ هُنا لِما تَعانَقَتْ مَعانِيهِ، وارْتَبَطَتْ مَبانِيهِ، وأخَذَ بَعْضُها بِحُجَزِ بَعْضٍ حَتّى كَأنَّ الجَمِيعَ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لَمْ يُعَدَّ البُعْدُ بُعْدًا كَما قِيلَ: ؎ولَيْسَ يَضِيرُ البُعْدُ بَيْنَ جُسُومِنا إذا كانَ ما بَيْنَ القُلُوبِ قَرِيبا ووَجْهُ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلى ما قَبْلُ كَوَجْهِ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وتِلْكَ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ كَما دَلَّ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - دالٌّ عَلى تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الوَلَدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ (p-150)والرَّدِّ عَلى مُثْبِتِي الوَلَدِ ظاهِرَةٌ، وقَدِ اتَّحَدَ في الجُمْلَتَيْنِ السّائِلُ والمَسْؤُولُ، والأمْرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ (اسْتَفْتِهِمْ) لِلْمَذْكُورِينَ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والبَواقِي لِقُرَيْشٍ، والمُرادُ الِاسْتِفْتاءُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أخْبارَهم مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، ومِن كُتُبِهِمْ وصُحُفِهِمْ، أيْ ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُنَزِّهُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَطْنِ الحُوتِ، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ مِنَ التَّكَلُّفِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلَيْهِ، ولَعَلَّهُ لَوِ اسْتَغْنى عَنِ ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ بِالتِزامِ كَوْنِ الِاسْتِفْتاءِ مِنَ المُرْسَلِينَ المَذْكُورِينَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمُ اجْتِماعًا رُوحانِيًّا كَما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَعَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَدَّعِي أنَّ الأمْرَ بِالسُّؤالِ المُسْتَدْعِيَ لِلِاجْتِماعِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ عَلى هَذا النَّمَطِ لَكانَ الأمْرُ أهْوَنَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مَنزَعًا صُوفِيًّا. وأُضِيفَ الرَّبُّ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وإشارَةً إلى أنَّهم في قَوْلِهِمْ بِالبَناتِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كالنّافِينَ لِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ،
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب