الباحث القرآني
﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قِيلَ ناداهُ مِن خَلْفِهِ مَلَكٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِذَلِكَ، و”أنْ“ مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى أيْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”قَدْ صَدَّقْتَ“ بِحَذْفِها، وقُرِئَ ”صَدَقْتَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ فَيّاضٌ ”الرِّيّا“ بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ، وتَصْدِيقُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيا تَوْفِيَتُهُ حَقَّها مِنَ العَمَلِ وبَذْلُ وُسْعِهِ في إيقاعِها، وذَلِكَ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُقُوعُ ما رَآهُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ هو إيقاعُ تَأْوِيلِها، وتَأْوِيلُها ما وقَعَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ الِاعْتِرافُ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى الإتْيانِ بِكُلِّ ما رَآهُ في المَنامِ، وهَلْ أمَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِهِ أمْ لا؟ قَوْلانِ؛ ذَهَبَ إلى الثّانِي مِنهُما كَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أخَذَ الشَّفْرَةَ وأرادَ أنْ يَذْبَحَهُ نُودِيَ مِن خَلْفِهِ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ عالَجَ قَمِيصَهُ لِيَخْلَعَهُ فَنُودِيَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْهُ أيْضًا فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ فَلَمْ يَحْمِلِ المُدْيَةَ حَتّى (p-131)نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن مُجاهِدٍ: فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ ورَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى الكَبْشَ يَنْحَطُّ إلَيْهِ حَتّى وقَعَ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ فانْقَلَبَتْ، وإلى عَدَمِ الإمْرارِ ذَهَبَتِ اليَهُودُ أيْضًا لِما في تَوْراتِهِمْ: مَدَّ إبْراهِيمُ يَدَهُ فَأخَذَ السِّكِّينَ، فَقالَ لَهُ مَلاكُ اللَّهِ مِنَ السَّماءِ قائِلًا: يا إبْراهِيمُ! يا إبْراهِيمُ! قالَ: لَبَّيْكَ قالَ: لا تَمُدَّ يَدَكَ إلى الغُلامِ ولا تَصْنَعْ بِهِ شَيْئًا، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ؛ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ مَعَ عَدَمِ المانِعِ؛ لِأنَّ القَطْعَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها، أوْ عِنْدَها عادَةً، وقَدْ لا يَخْلُقُ سُبْحانَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ لِمانِعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ إلَيْهِ بِالشَّفْرَةِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما بَيْنَ لَبَّتِّهِ إلى مَنحَرِهِ نُحاسًا لا تُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّفْرَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يُنْحَرْ، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أضْجَعَهُ ووَضَعَ الشَّفْرَةِ فَقَلَبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدَيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ نَحَرَ في حَلْقِهِ فَإذا هو قَدْ نَحَرَ في نُحاسٍ فَشَحَذَ الشَّفْرَةَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بِالحَجَرِ، وضُعِّفَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَبَحَ، لَكِنْ كانَ كُلَّما قَطَعَ مَوْضِعًا مِنَ الحَلْقِ أوْصَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمُوا وُرُودَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأخْبارِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أيْ كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ المَقالُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما اللَّهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفِّقْ غَيْرَهُما لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ ”فَإذا“ ونَحْوِهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ (وتَلَّهُ)، قالَ في البَحْرِ: والتَّقْدِيرُ فَلَمّا أسْلَما أسْلَما وتَلَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدُهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيْ أجَزْنا وانْتَحى، وهو كَما تَرى، وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ وهو (ونادَيْناهُ) عَلى زِيادَةِ الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (وتَلَّهُ) عَلى زِيادَتِها أيْضًا، ولَعَلَّ الأوْلى ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرُ داخِلٍ في النِّداءِ، وهو تَعْلِيلٌ لِإفْراجِ تِلْكَ الشِّدَّةِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ؛ أعْنِي نادِيَنا... إلَخْ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجَوابُ أوْ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ والعِلَّةُ في المَعْنى إحْسانَهُما، وكَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ الجَوابُ مِنَ الشُّكْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
{"ayahs_start":104,"ayahs":["وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ أَن یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ","قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ"],"ayah":"قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











