الباحث القرآني

﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن واوِ (يَسَّمَّعُونَ) و(مَن) بَدَلٌ مِنهُ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ: إذا فُصِلَ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ فالمُخْتارُ النَّصْبُ لِأنَّ الإبْدالَ لِلتَّشاكُلِ وقَدْ فاتَ بِالتَّراخِي، وذَكَرَهُ في البَحْرِ هُنا وجْهًا ثانِيًا، وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ عَلى أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ جَوابُها الجُمْلَةُ المَقْرُونَةُ بِالفاءِ بَعْدُ ولَيْسَ بِذاكَ، والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ والأخْذُ بِخِفَّةٍ وسُرْعَةٍ عَلى غَفْلَةِ المَأْخُوذِ مِنهُ، والمُرادُ اخْتِلاسُ كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً كَما يُعَرِّفُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الخَطْفَةِ بِلامِ العَهْدِ لِأنَّ المُرادَ بِها أمْرٌ مُعَيَّنٌ مَعْهُودٌ فَهي نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى إرادَةِ الكَلِمَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ”خِطِّفَ“ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً، قالَ أبُو حاتِمٌ: ويُقالُ هي لُغَةُ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ وتَمِيمِ بْنِ مُرٍّ والأصْلُ اخْتَطَفَ فَسَكَنَتِ التّاءُ لِلْإدْغامِ وقَبْلَها خاءٌ ساكِنَةٌ فالتَقى ساكِنانِ فَحُرِّكَتِ الخاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ وكُسِرَتِ الطّاءُ لِلِاتِّباعِ وحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها. وقُرِئَ ”خَطِّفَ“ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ مُشَدَّدَةً ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ وعِيسى، واسْتُشْكِلَتْ بِأنَّ فَتْحَ الخاءِ سَدِيدٌ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ التّاءِ عَلَيْها، وأمّا كَسْرُ الطّاءِ فَلا وجْهَ لَهُ، وقِيلَ في تَوْجِيهِها: إنَّهم نَقَلُوا حَرَكَةَ الطّاءِ إلى الخاءِ وحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ ثُمَّ قَلَبُوا التّاءَ وأدْغَمُوا وحَرَّكُوا الطّاءَ بِالكَسْرِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وهو كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”خِطِفَ“ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ مُخَفِّفَةً أتْبَعَ - عَلى ما في البَحْرِ - حَرَكَةَ الخاءِ لِحَرَكَةِ الطّاءِ كَما قالُوا نَعَمْ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ أيْ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ عَلى أنَّ أتْبَعَ مِنَ الأفْعالِ بِمَعْنى تَبِعَ الثُّلاثِيِّ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ ﴿شِهابٌ﴾ هو في الأصْلِ الشُّعْلَةُ السّاطِعَةُ مِنَ النّارِ المُوقَدَةِ، والمُرادُ بِهِ العارِضُ المَعْرُوفُ في الجَوِّ الَّذِي يُرى كَأنَّهُ كَوْكَبٌ مُنْقَضٌّ مِنَ السَّماءِ ﴿ثاقِبٌ﴾ مُضِيءٌ كَما قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ كَأنَّهُ ثَقَبَ الجَوَّ بِضَوْئِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَزِيدَ الرِّقاشِيِّ أنَّهُ قالَ: يَثْقُبُ الشَّيْطانُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأبِي مِجْلَزٍ فَقالَ: لَيْسَ ذاكَ ولَكِنَّ ثُقُوبَهُ ضَوْءُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ”الثّاقِبُ“ المُتَوَقِّدٌ، وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ”الثّاقِبُ“ المُحْرِقُ، ولَيْسَتِ الشُّهُبُ نَفْسَ الكَواكِبِ الَّتِي زُيِّنَتْ بِها السَّماءُ فَإنَّها لا تَنْقَضُّ وإلّا لانْتَقَصَتْ زِينَةُ السَّماءِ بَلْ لَمْ تَبْقَ، عَلى أنَّ المُنْقَضَّ إنْ كانَ نَفْسَ الكَواكِبِ بِمَعْنى أنَّهُ يَنْقَلِعُ عَنْ مَرْكَزِهِ ويُرْمى بِهِ الخاطِفُ فَيُرى لِسُرْعَةِ الحَرَكَةِ كَرُمْحٍ مِن نارٍ لَزِمَ أنْ يَقَعَ عَلى الأرْضِ وهو إنْ لَمْ يَكُنْ أعْظَمَ مِنها فَلا أقَلَّ مِن أنَّ ما انْقَضَّ مِنَ الكَواكِبِ مِن حِينِ حَدَثَ الرَّمْيُ إلى اليَوْمِ أعْظَمُ مِنها بِكَثِيرٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأرْضُ اليَوْمَ مَغْشِيَّةً بِأجْرامِ الكَواكِبِ، والمُشاهَدَةُ تُكَذِّبُ ذَلِكَ بَلْ لَمْ نَسْمَعْ بِوُقُوعِ جِرْمِ كَوْكَبٍ أصْلًا. وأصْغَرُ الكَواكِبِ عِنْدَ الإسْلامِيِّينَ كالجَبَلِ العَظِيمِ، وعِنْدَ الفَلاسِفَةِ أعْظَمُ وأعْظَمُ بَلْ صِغارُ الثَّوابِتِ (p-72)عِنْدَهم أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ، وإنِ التُزِمَ أنَّهُ يُرْمى بِهِ حَتّى إذا تَمَّ الغَرَضُ رَجَعَ إلى مَكانِهِ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُسْمَعَ لِهَوِيِّهِ صَوْتٌ هائِلٌ، فَإنَّ الشُّهُبَ تَصِلُ إلى مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنَ الأرْضِ، وأيْضًا عَدَمُ مُشاهَدَةِ جِرْمِ كَوْكَبٍ هابِطًا أوْ صاعِدًا يَأْبى احْتِمالَ انْقِلاعِ الكَوْكَبِ والرَّمْيِ بِهِ نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المُنْقَضُّ نُورَهُ فالنُّورُ لا أذى فِيهِ فالأرْضُ مَمْلُوءَةٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ وحَشْوُها الشَّياطِينُ، عَلى أنَّهُ إنْ كانَ المُنْقَضُّ جَمِيعَ نُورِهِ يَلْزَمُ انْتِقاصُ الزِّينَةِ أوْ ذَهابُها بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضَ نُورِهِ يَلْزَمُ أنْ تَتَغَيَّرَ أضْواءُ الكَواكِبِ ولَمْ يُشاهِدْ في شَيْءٍ مِنها ذَلِكَ، وأمْرُ انْقِضاضِهِ نَفْسِهِ أوِ انْفِصالِ ضَوْئِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ في الفَلْكِ الثّامِنِ المُسَمّى بِالكُرْسِيِّ عِنْدَ بَعْضِ الإسْلامِيِّينَ، وإنَّهُ لا شَيْءَ في السَّماءِ الدُّنْيا سِوى القَمَرِ أبْعَدُ وأبْعَدُ. والفَلاسِفَةُ يَزْعُمُونَ اسْتِحالَةَ ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ عَدَمَ قَبُولِ الفَلَكِ الخَرْقَ والِالتِئامَ إلى أُمُورٍ أُخَرَ، ويَزْعُمُونَ في الشُّهُبِ أنَّها أجْزاءٌ بُخارِيَّةٌ دُخانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ وصَلَتْ كُرَةَ النّارِ فاشْتَعَلَتْ وانْقَلَبَتْ نارًا مُلْتَهِبَةً فَقَدْ تُرى مُمْتَدَّةً إلى طَرَفِ الدُّخانِ ثُمَّ تَرى كَأنَّها طُفِئَتْ، وقَدْ تَمْكُثُ زَمانًا كَذَواتِ الأذْنابِ، ورُبَّما تَتَعَلَّقُ بِها نَفْسٌ عَلى ما فَصَّلُوهُ، وهم مَعَ هَذا لا يَقُولُونَ بِكَوْنِها تُرْمى بِها الشَّياطِينُ بَلْ هم يُنْكِرُونَ حَدِيثَ الرَّمْيِ مُطْلَقًا، وفي النُّصُوصِ الإلَهِيَّةِ رُجُومٌ لَهُمْ، ولَعَلَّ أقْرَبَ الِاحْتِمالاتِ فى أمْرِ الشُّهُبِ أنَّ الكَوْكَبَ يَقْذِفُ بِشُعاعٍ مِن نُورِهِ فَيَصِلُ أثَرُهُ إلى هَواءٍ مُتَكِيِّفٍ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ يَقْبَلُ بِها الِاشْتِعالَ بِما يَقَعُ عَلَيْهِ مِن شُعاعِ الكَوْكَبِ بِالخاصِّيَّةِ فَيَشْتَعِلُ فَيَحْصُلُ ما يُشاهَدُ مِنَ الشُّهُبِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ الهَواءَ المُتَكَيِّفَ بِالكَيْفِيَّةِ المَخْصُوصَةِ إذا وصَلَ إلى مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الجَوِّ أثَّرَتْ فِيهِ أشِعَّةُ الكَواكِبِ بِما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الخاصِّيَّةِ فَيَشْتَعِلُ فَيَحْصُلُ ما يَحْصُلُ، وتَأْثِيرُ الأشِعَّةِ الحَرْقُ في القابِلِ لَهُ مِمّا لا يُنْكَرُ، فَإنّا نَرى شُعاعَ الشَّمْسِ إذا قُوبِلَ بِبَعْضِ المَناظِرِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أحْرَقَ قابِلَ الإحْراقَ ولَوْ تَوَسَّطَ بَيْنَ المَنظَرَةِ وبَيْنَ القابِلِ إناءُ بَلُّورٍ مَمْلُوءٌ ماءً، ويُقالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْرِفُ ذَلِكَ الحاصِلَ إلى الشَّيْطانِ المُسْتَرِقِ لِلسَّمْعِ وقَدْ يَحْدُثُ ذَلِكَ ولَيْسَ هُناكَ مُسْتَرِقٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ الكَيْفِيَّةَ الَّتِي بِها يَقْبَلُ الهَواءُ الإحْراقَ في الهَواءِ الَّذِي في جِهَةِ الشَّيْطانِ، ولَعَلَّ قُرْبَ الشَّيْطانِ مِن بَعْضِ أجْزاءٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الهَواءِ مُعَدٌّ بِخاصِّيَّةٍ أحْدَثَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِخَلْقِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ في ذَلِكَ الهَواءِ القَرِيبِ مِنهُ مَعَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ في بَعْضِ أجْزاءِ الهَواءِ الجَوِّيَّةِ حَيْثُ لا شَيْطانَ هُناكَ أيْضًا. وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّهُ يَخْرُجُ شُؤْبُوبٌ مِن شُعاعِ الكَوْكَبِ فَيَتَأذّى بِهِ المارِدُ أوْ يَحْتَرِقُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قادِرٌ عَلى أنْ يُحْرِقَ بِالماءِ ويَرْوِيَ بِالنّارِ، والمُسَبِّباتُ عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، وكُلُّ الأشْياءِ مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى ابْتِداءً عِنْدَ الأشاعِرَةِ، ولا يَلْزَمُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ انْتِقاصُ ضَوْءِ الكَوْكَبِ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ يَلْزَمُ انْتِقاصٌ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ قُلْنا: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ بِلا فَصْلٍ في الكَوْكَبِ بَدَلَ ما نَقَصَ مِنهُ، وأمْرُهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. ولا يُنافِي ما ذَكَرْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ لِأنَّ جَعْلَها رُجُومًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ؛ لِأنَّهُ بِواسِطَةِ وُقُوعِ أشِعَّةٍ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الهَواءِ تُحْدِثُ الشُّهُبَ، فَهي رُجُومٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، ولا يَتَوَقَّفُ جَعْلُها رُجُومًا عَلى أنْ تَكُونَ نَفْسُها كَذَلِكَ بِأنْ تَنْقَلِعَ عَنْ مَراكِزِها ويُرْجَمُ بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ يُحْرِقُ بِها بَعْضَ الأجْسامِ فَإنَّهُ صادِقٌ فِيما إذا أحْرَقَ بِها بِتَوْسِيطِ بَعْضِ المَناظِرِ وانْعِكاسِ شُعاعِها عَلى قابِلِ الإحْراقِ. وزَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّ الشُّهُبَ شُعَلٌ نارِيَّةٌ تَحْدُثُ مِن أجْزاءٍ مُتَصاعِدَةٍ (p-73)إلى كُرَةِ النّارِ وهي الرُّجُومُ ولِكَوْنِها بِواسِطَةِ تَسْخِينِ الكَواكِبِ لِلْأرْضِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا﴾ عَلى التَّجَوُّزِ في إسْنادِ الجَعْلِ إلَيْها أوْ في لَفْظِها، ولا يَخْفى أنَّ كُرَةَ النّارِ مِمّا لَمْ تَثْبُتْ في كَلامِ السَّلَفِ ولا ورْدَ فِيها عَنِ الصّادِقِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَبَرٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَصابِيحُ هي الشُّهُبُ وهي غَيْرُ الكَواكِبِ، وزِينَةُ السَّماءِ بِالمَصابِيحِ لا يَقْتَضِي كَوْنَها فِيها حَقِيقَةً إذْ يَكْفِي كَوْنُها في رَأْيِ العَيْنِ ذَلِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةَ العُلُوِّ وهي مُزَيَّنَةٌ بِالمَصابِيحِ والشُّهُبِ كَما هي مُزَيَّنَةٌ بِالكَواكِبِ. وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ وصْفَ السَّماءِ بِالدُّنْيا يُبْعِدُ إرادَةَ الجِهَةِ مِنها. وتُعُقِّبَ ما قَبْلُهُ بِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ المَصابِيحَ هي الكَواكِبُ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ إلّا شَيْءٌ واحِدٌ، وأنَّ كَوْنَ الشُّهُبِ المَعْرُوفَةِ زِينَةَ السَّماءِ مَعَ سُرْعَةِ تَقَضِّيها وزَوالِها، ورُبَّما دُهِشَ مِن بَعْضِها - مِمّا لا يَسْلَمُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ الكَوْكَبِ عَلى الشِّهابِ لِلْمُشابَهَةِ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكَواكِبِ ما يَشْمَلُ الشُّهُبَ وزِينَةَ السَّماءِ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، زِيدَ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ما لا يَخْفى ما فِيهِ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَوْكَبَ يَنْفَصِلُ مِنهُ نُورٌ إذا وصَلَ إلى مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ مِنَ الجَوِّ انْقَلَبَ نارًا ورُئِيَ مُنْقَضًّا ولا يُعْجِزُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - شَيْءٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في السَّماءِ كَواكِبَ صِغارًا جِدًّا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ ولَوْ بِالأرْصادِ لِغايَةِ الصِّغَرِ، وهي الَّتِي يُرْمى بِها أنْفُسِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ مِن بابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا﴾ الآيَةَ إنْ كانَ عَلى مَعْنى وحِفْظًا بِها فَهو مِن ذَلِكَ البابِ أيْضًا، وإلّا فالأمْرُ أهْوَنُ فَتَدَبَّرْ. واخْتُلِفَ في أنَّ المَرْجُومَ هَلْ يَهْلِكُ بِالشِّهابِ إذا أصابَهُ أوْ يَتَأذّى بِهِ مِن غَيْرِ هَلاكٍ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ لا تُقْتَلُ بِالشِّهابِ ولا تَمُوتُ ولَكِنَّها تُحْرَقُ وتَخْبَلُ أيْ يَفْسُدُ مِنها بَعْضُ أعْضائِها، وقِيلَ تَهْلِكُ وتَمُوتُ ومَتى أصابَ الشِّهابُ مَنِ اخْتَطَفَ مِنهم كَلِمَةً قالَ لِلَّذِي يَلِيهِ كانَ كَذا وكَذا قَبْلَ أنْ يَهْلِكَ، ولا يَأْبى تَأْثِيرَ الشِّهابِ فِيهِمْ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ لِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ النّارِ الصِّرْفَةِ كَما أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ مِنَ التُّرابِ الخالِصِ مَعَ أنَّ النّارَ القَوِيَّةَ إذا اسْتَوْلَتْ عَلى الضَّعِيفَةِ اسْتَهْلَكَتْها، وأيًّا ما كانَ لا يُقالُ: إنَّ الشَّياطِينَ ذَوُو فِطْنَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مِنهُمُ العَوْدُ إلى اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعَ أنَّ المُسْتَرِقَ يَهْلِكُ أوْ يَتَأذّى الأذى الشَّدِيدَ واسْتِمْرارُ انْقِضاضِ الشُّهُبِ دَلِيلُ اسْتِمْرارِ هَذا الفِعْلِ مِنهم لِأنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ اسْتِمْرارَ هَذا الفِعْلِ مِنهُمْ، واسْتِمْرارُ الِانْقِضاضِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الِانْقِضاضَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الِانْقِضاضَ يَكُونُ لِلِاسْتِراقِ ويَكُونُ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ أشَرْنا فِيما سَبَقَ أنَّ الهَواءَ قَدْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَحْتَرِقُ بِسَبَبِ أشِعَّةِ الكَواكِبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْتَرِقٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَرى الشُّهُبَ لِتَعارُضٍ في الأهْوِيَةِ واصْطِكاكٍ يَحْصُلُ مِنهُ ما تَرى؛ كَما يَحْصُلُ البَرْقُ بِاصْطِكاكِ السَّحابِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وحَوادِثُ الجَوِّ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدِ اسْتَرَقُوا أوَّلًا فَشاهَدُوا ما شاهَدُوا فَتَرَكُوا واسْتَمَرَّتِ الشُّهُبُ تَحْدُثُ لِما ذُكِرَ لا لِاسْتِراقِ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ أحْيانًا مِمَّنْ حَدَثَ مِنهم ولَمْ يَعْلَمْ بِما جَرى عَلى رُءُوسِ المُسْتَرِقِينَ قَبْلَهُ أوْ مِمَّنْ لا يُبالِي بِالأذى ولا بِالمَوْتِ حُبًّا لِأنْ يُقالَ ما أجْسَرَهُ أوْ ما أشْجَعَهُ مَثَلًا، كَما يُشاهِدُ في كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ يُقْدِمُونَ في المَعارِكِ عَلى ما يَتَيَقَّنُونَ هَلاكَهم بِهِ حُبًّا لِمِثْلِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ في وصْفِ الشَّيْطانِ بِالمارِدِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ الشِّهابَ قَدْ يُصِيبُ الصّاعِدَ مَرَّةً وقَدْ لا يُصِيبُ كالمَوْجِ لِراكِبِ السَّفِينَةِ ولِذَلِكَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْهُ رَأْسًا فَخِلافُ المَأْثُورِ، فَقَدْ أخْرَجابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ (p-74)فِي العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إذا رُمِيَ بِالشِّهابِ لَمْ يُخْطِئْ مَن رُمِيَ بِهِ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ أنَّهم قَدْ تَرَكُوا بَعْدَ أنْ صَحَّتْ عِنْدَهُمُ التَّجْرِبَةُ لا يَتِمُّ إلّا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مِن أنَّهُ لَمْ يُقْذَفْ بِالنُّجُومِ حَتّى وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمّا قُذِفَ بِها جَعَلَ النّاسُ يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويُعْتِقُونَ رَقِيقَهم يَظُنُّونَ أنَّهُ القِيامَةُ فَأتَوْا عَبْدَ يالِيلَ الكاهِنَ وقَدْ عَمِيَ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقالَ: انْظُرُوا إنْ كانَتِ النُّجُومَ المَعْرُوفَةَ مِنَ السَّيّارَةِ والثَّوابِتَ فَهو قِيامُ السّاعَةِ وإلّا فَهو أمْرٌ حادِثٌ، فَنَظَرُوا فَإذا هي غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ حَتّى أتى خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ، ووافَقَ عَلى عَدَمِ حُدُوثِهِ قَبْلُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المُنْتَظِمِ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا مِن مَبْعَثِهِ، والصَّحِيحُ أنَّ القَذْفَ كانَ قَبْلَ مِيلادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ إلّا أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طارِدًا لِلشَّياطِينِ وأنْ يَكُونَ طارِدًا لَهم لَكِنْ لا بِالكُلِّيَّةِ وأنْ يَكُونَ طارِدًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى الِاحْتِمالُ السّابِقُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ يَكُونُ الحادِثُ يَوْمَ المِيلادِ طَرْدَهم بِذَلِكَ، وعَلى الثّانِي طَرْدَهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَشْدِيدَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ لِيَنْحَسِمَ أمْرُهم وتَخْلِيطُهم ويَصِحَّ الوَحْيُ فَتَكُونَ الحُجَّةُ أقْطَعَ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ المِيلادِ طارِدًا لَكِنْ لا بِالكُلِّيَّةِ فَكانَ يُوجَدُ اسْتِراقٌ عَلى النُّدْرَةِ وشُدِّدَ في بَدْءِ البَعْثَةِ، وعَلَيْهِ يُرادُ بِخَبَرِ ”لَمْ يُقْذَفْ بِالنُّجُومِ حَتّى وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ“ أنَّهُ لَمْ يَكْثُرِ القَذْفُ بِها، وعَلى هَذا يُخَرَّجُ غَيْرُهُ إذا صَحَّ. كالخَبَرِ المَنقُولِ في السِّيَرِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ يَخْتَرِقُ السَّماواتِ قَبْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا بُعِثَ أوْ وُلِدَ حُجِبَ عَنْ ثَلاثِ سَماواتٍ ولَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ حُجِبَ عَنْها كُلِّها وقُذِفَتِ الشَّياطِينُ بِالنُّجُومِ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قامَتِ السّاعَةُ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: انْظُرُوا إلى العَيُّوقِ فَإنْ كانَ رُمِيَ بِهِ فَقَدْ آنَ قِيامُ السّاعَةِ وإلّا فَلا، وقالَ بَعْضُهُمْ: اتَّفَقَ المُحَدِّثُونَ عَلى أنَّهُ كانَ قَبْلُ لَكِنْ كَثُرَ وشُدِّدَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ ولِذا قالَ تَعالى ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ولَمْ يَقُلْ حُرِسَتْ، وبِالجُمْلَةِ لا جَزْمَ عِنْدِنا بِأنَّ ما يَقَعُ مِنَ الشُّهُبِ في هَذِهِ الأعْصارِ ونَحْوِها رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ، والجَزْمُ بِذَلِكَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ. هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَ أمْرُ الِاسْتِراقِ بِأُمُورٍ، مِنها أنَّ المَلائِكَةَ في السَّماءِ مَشْغُولُونَ بِأنْواعِ العِبادَةِ أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ فَماذا تَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ مِنهُمْ؟ وإذا قِيلَ: إنَّ مِنهم مَن يَتَكَلَّمُ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ فَهم عَلى (مُحَدَّبِها) والشَّياطِينُ تَسْتَرِقُ تَحْتَ مُقَعِّرِها وبَيْنَهُما كَما صَحَّ في الأخْبارِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ فَكَيْفَ يَتَأتّى السَّماعُ؟ لا سِيَّما والظّاهِرُ أنَّهم لا يَرْفَعُونَ أصْواتَهم إذا تَكَلَّمُوا بِالحَوادِثِ إذْ لا يَظْهَرُ غَرَضٌ بِرَفْعِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ رَفْعُ صَوْتٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْثُ يُسْمَعُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ فَكُرَةُ الهَواءِ تَنْقَطِعُ عِنْدَ كُرَةِ النّارِ ولا يُسْمَعُ صَوْتٌ بِدُونِ هَواءٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِراقَ مِن مَلائِكَةِ العَنانِ وهم يَتَحَدَّثُونَ فِيما بَيْنَهم بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السَّماءِ مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ، و﴿لَمَسْنا السَّماءَ﴾ طَلَبْنا خَبَرَها أوْ مِنَ المَلائِكَةِ النّازِلِينَ مِنَ السَّماءِ بِالأمْرِ فَإنَّ مَلائِكَةً عَلى أبْوابِ السَّماءِ ومِن حَيْثُ يَنْزِلُونَ يَسْألُونَهم بِماذا تَذْهَبُونَ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ، ولَيْسَ الِاسْتِراقُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى مُحَدَّبِ السَّماءِ، وأمْرُ كُرَةِ النّارِ لا يَصِحُّ، والهَواءُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ وهو كُلَّما رَقَّ ولَطُفَ كانْ أعْوَنَ عَلى السَّماعِ، عَلى أنَّ وُجُودَ الهَواءِ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ السَّماعُ عَلى أُصُولِ الأشاعِرَةِ ومِثْلُهُ عَدَمُ البُعْدِ المُفْرِطِ، وظاهِرُ خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الِاسْتِراقَ مِنَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ قالَ: «إذا قَضى اللَّهُ تَعالى أمْرًا تَكَلَّمَ - تَبارَكَ وتَعالى - فَتَخِرُّ (p-75)المَلائِكَةُ كُلُّهم سُجَّدًا، فَتَحْسَبُ الجِنُّ أنَّ أمْرًا يُقْضى فَتَسْتَرِقُ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ورَفَعُوا رُءُوسَهم قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا جَمِيعًا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» . وجاءَ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ «"إذا أرادَ ذُو العَرْشِ أمْرًا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفا فَيُغْشى عَلَيْهِمْ فَإذا قامُوا قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالَ مَن شاءَ اللَّهُ: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ». ولَعَلَّهُ بَعْدَ هَذا الجَوابِ يُذْكَرُ الأمْرُ بِخُصُوصِهِ فِيما بَيْنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وظاهِرُ ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِ المَلَأِ الأعْلى بِكَتَبَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أيْضًا أنَّ الِاسْتِراقَ مِن مَلائِكَةٍ في السَّماءِ، إذِ الظّاهِرُ أنَّ الكَتَبَةَ في السَّماءِ، ولَعَلَّهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّوْحِ ما يُتْلى فَيَكْتُبُونَهُ لِأمْرٍ ما فَتَطْمَعُ الشَّياطِينُ بِاسْتِراقٍ شَيْءٍ مِنهُ، وأمْرُ البُعْدِ كَأمْرِ الهَواءِ لا يَضُرُّ في ذَلِكَ عَلى الأُصُولِ الأشْعَرِيَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدَّعى أنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَحْجُبُ الصَّوْتَ وإنْ كَثُفَ، وكَمْ خاصِّيَّةً أثْبَتَها الفَلاسِفَةُ لِلْأفْلاكِ لَيْسَ عَدَمُ الحَجْبِ أغْرَبَ مِنها. ومِنها أنَّهُ يُغْنِي عَنِ الحِفْظِ مِنَ اسْتِراقِ الشَّياطِينِ عَدَمُ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الصُّعُودِ إلى حَيْثُ يُسْتَرَقُ السَّمْعُ، أوْ أمْرُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِإخْفاءِ كَلامِهِمْ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُونَهُ، أوْ جَعْلُ لُغَتِهِمْ مُخالَفَةً لِلُغَتِهِمْ بِحَيْثُ لا يَفْهَمُونَ كَلامَهم. وأُجِيبَ بِأنَّ وُقُوعَ الأمْرِ عَلى ما وقَعَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ الحِكَمِ ما فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الإشْكالِ يَجْرِي في أشْياءَ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ كَوْنَ الصّانِعِ حَكِيمًا وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قَدْ راعى الحِكْمَةَ فِيما خَلَقَ وأمَرَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَتّى قِيلَ: لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ - يُحِلُّ ذَلِكَ ولا يَبْقى مَعَهُ سِوى تَطَلُّبِ وجْهِ الحِكْمَةِ، وهو مِمّا يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والكَلامُ في هَذا المَقامِ قَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِنهُ فارْجِعْ إلَيْهِ، ومِمّا هُنا وما هُناكَ يَحْصُلُ ما يَسُرُّ النّاظِرِينَ ويُرْضِي العُلَماءَ المُحَقِّقِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب