الباحث القرآني

﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعْلِنا) (p-8)وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَفْجِيرِ العُيُونِ لِأنَّهُ مِن مَبادِئَ الثَّمَرِ أيْ وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ ورَتَّبْنا مَبادِئَ ثَمَرِها لِيَأْكُلُوا، وضَمِيرُ (ثَمَرِهِ) عائِدٌ عَلى المَجْعُولِ وهو الجَنّاتُ ولِذا أفْرَدَ وذَكَّرَ ولَمْ يَقُلْ مِن ثَمَرِها أيِ الجَنّاتِ أوْ مِن ثَمَرِهِما أيِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ لِأبِي عُبَيْدَةَ وقَدْ سَألَهُ كَأنَّ ذاكَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الماءِ لِدَلالَةِ العُيُونِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ماءِ العُيُونِ، وقِيلَ عَلى النَّخِيلِ واكْتُفِيَ بِهِ لِلْعِلْمِ بِاشْتِراكِ الأعْنابِ مَعَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى التَّفْجِيرِ المَفْهُومِ مِن (فَجَّرْنا) والمُرادُ بِـ (ثَمَرِهِ) فَوائِدُهُ، كَما تَقُولُ: ثَمَرَةُ التِّجارَةِ الرِّبْحُ، أوْ هو ظاهِرُهُ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ والكُلُّ كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَةُ الثَّمَرِ إلَيْهِ - تَعالى - لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - خالِقُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَأْكُلُوا مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ الثَّمَرِ. وكانَ الظّاهِرُ (مِن ثَمَرِنا) لِضَمِيرِ العَظَمَةِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ التَفْتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الأكْلَ والتَّعَيُّشَ مِمّا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - فَيُناسِبُ الغَيْبَةَ، فالِالتِفاتُ في مَوْقِعِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَظانِّهِ لِأنَّهُ أوْلى بِضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإحْياءِ والجَعْلِ والتَّفْجِيرِ وقَدْ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ. ورُدَّ بِأنَّ ما سَبَقَ أفْخَمُ لِأنَّها أفْعالٌ عامَّةُ النَّفْعِ ظاهِرَةٌ في كَمالِ القُدْرَةِ، والثَّمَرُ أحَطُّ مَرْتَبَةً مِنَ الحَبِّ ولِذا لَمْ يُورَدْ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصاصِ فَلا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ التَّفْخِيمَ. كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الثَّمَرَ خَلْقَ اللَّهِ - تَعالى - وكَمالَهُ بِفِعْلِ الآدَمِيِّ، وبِما تَقَدَّمَ يُسْتَغْنى عَمّا ذُكِرَ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مِن ثُمُرِهِ“ بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ أوْ هو جَمْعُ ثِمارٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ”مِن ثُمْرِهِ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ ”ما“ مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ عَطْفٍ عَلى (ثَمَرِهِ) وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (مِن ثَمَرِهِ) خِلافُ الظّاهِرِ؛ أيْ ولْيَأْكُلُوا مِنَ الَّذِي عَمِلُوهُ أوْ صَنَعُوهُ بِقُواهُمْ، والمُرادُ بِهِ ما يُتَّخَذُ مِنَ الثَّمَرِ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِهِما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ بِالغَرْسِ والسَّقْيِ والإبارِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً أيْ ومِن شَيْءٍ عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ، وقِيلَ: ما نافِيَةٌ وضَمِيرُ (عَمِلَتْهُ) راجِعٌ إلى الثَّمَرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ عَمَلِ أيْدِيهِمْ إيّاهُ أنَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعالى - لا بِفِعْلِهِمْ ولا تَقُولُ المَشايِخُ بِالتَّوْلِيدِ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها نافِيَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وظاهِرُ كَلامِ الحَبْرِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى ”شَيْئًا“ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنهُ، فَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها وفِيهِ بُعْدٌ. وأُيِّدَ القَوْلُ بِالمَوْصُولِيَّةِ بِقِراءَةِ طَلْحَةَ، وعِيسى، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ ”وما عَمِلَتْ“ بِلا هاءٍ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المَوْصُولَ مَعَ الصِّلَةِ كاسْمٍ واحِدٍ فَيَحْسُنُ مَعَهُ لِاسْتِطالَتِهِ ولِاقْتِضائِهِ إيّاهُ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ يَكُونُ كالمَذْكُورِ، وتَقْدِيرُ اسْمٍ ظاهِرٍ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: جَعْلُها نافِيَةً أوْلى مِن جَعْلِها مَوْصُولَةً لِئَلّا يُوهِمَ اسْتِقْلالَهم بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِلتَّأْكِيدِ في هَذا المَقامِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مِن بابِ أخَذْتُهُ بِيَدِي ورَأيْتُهُ بِعَيْنِي وحِينَئِذٍ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - تَعالى -: (أحْيَيْناها) ... إلَخْ تَفْسِيرًا لِكَوْنِ الأرْضِ المَيْتَةِ آيَةً. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ (p-9)العَمَلَ مِنَ العِبادِ بِمَعْنى الكَسْبِ وقَدْ جاءَ بِما (قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ) و(بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) فَهَذا التَّأْكِيدُ دافِعٌ لِلْإيهامِ. انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ. وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ و(عَمَلِ أيْدِيهِمْ) ويُرادُ بِالمَصْدَرِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَعْمُولِ أيْدِيهِمْ، فَيَعُودُ إلى مَعْنى المَوْصُولَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ. ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلْمُنْعِمِ بِالنِّعَمِ المَعْدُودَةِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَرَوْنَ هَذِهِ النِّعَمَ أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب