الباحث القرآني
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ آلِهَتَكُمْ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى واعْتَقَدُوهم كَذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ ما أصْلًا.
وقِيلَ: الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِأنْفُسِهِمْ فِيما يَمْلِكُونَهُ أوْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شُرَكاءَ لَهم في النّارِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ والصِّفَةُ عَلَيْهِما مُقَيِّدَةٌ لا مُؤَكِّدَةٌ، وسِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِباقُهُ ظاهِرانِ فِيما تَقَدَّمَ.
﴿أرُونِي﴾ ماذا ﴿خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن ﴿أرَأيْتُمْ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى (p-203)أخْبِرُونِي كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكُمْ، أرُونِي أيَّ جُزْءٍ خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا الإلَهِيَّةَ والشَّرِكَةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا تَجُوزُ البَدَلِيَّةُ لِأنَّهُ إذا أُبْدِلَ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَلا بُدَّ مِن دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ، وأيْضًا إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِهِمْ ثُمَّ البَدَلُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هاهُنا لِأنَّهُ لا عامِلَ لِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: واَلَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي وهي تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما مَنصُوبٌ والآخِرُ مُشْتَمِلٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِ العَرَبِ أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ، فالأوَّلُ هُنا ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾ والثّانِي ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ و﴿أرُونِي﴾ جُمْلَةٌ اِعْتِراضِيَّةٌ فِيها تَأْكِيدٌ لِلْكَلامِ وتَسْدِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أيْضًا مِن بابِ الإعْمالِ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى﴿ماذا خَلَقُوا﴾ أرَأيْتُمْ وأرُونِي، لِأنَّ أرُونِي قَدْ تَعَلَّقَ عَنْ مَفْعُولِها الثّانِي كَما عُلِّقَتْ رَأى الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْها هَمْزَةُ النَّقْلِ عَنْ مَفْعُولِها في قَوْلِهِمْ: أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، ويَكُونُ قَدْ أُعْمِلَ الثّانِي عَلى المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فانْتَهى، وما ذَكَرَهُ اِحْتِمالٌ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا اِحْتِمالٌ، وما قالَهُ في رَدِّهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ لُزُومَ دُخُولِ الأداةِ عَلى البَدَلِ فِيما إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ باقٍ عَلى مَعْناهُ، أمّا إذا نُسِخَ عَنْهُ كَما هُنا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أهْلَ العَرَبِيَّةِ والمَعانِي نَصُّوا عَلى خِلافِهِ وقَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:
؎أقُولُ لَهُ اِرْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا وإلّا فَكُنْ في السِّرِّ والجَهْرِ مُسْلِمًا
وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ إنَّما هو كَما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْهم في بَدَلِ المُفْرَداتِ، ولَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ العامِلُ هُنا مَوْجُودٌ، وهو ﴿قُلْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالمَقُولِ ولا عامِلَ فِيهِ إذْ يُقالُ وهو ظاهِرٌ.
وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ بِمَعْنى أخْبِرُونِي بَلِ المُرادُ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وأرُونِي أمْرُ تَعْجِيزٍ لِلتَّبْيِينِ، أيْ أعَلِمْتُمْ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُونَها ما هي وعَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَجْزِ أوْ تَتَوَهَّمُونَ فِيها قُدْرَةً، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَها عاجِزَةً فَكَيْفَ تَعْبُدُونَها أوْ كُنْتُمْ تَوَهَّمْتُمْ فِيها قُدْرَةً فَأرُونِي أثَرَها، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.
﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ أيْ بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا ما زَعَمْتُمْ فِيهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوْلى أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ عَلى أنَّ المَعْنى أمْ لَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ خَلْقًا وإبْقاءً وتَصَرُّفًا لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ آياتِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الشُّرَكاءِ ولَيْسَتْ مَحْصُورَةً في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ التَّدَرُّجِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ إلى الشَّرِكَةِ ثُمَّ مِنها إلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالشَّرِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرُونِي عَنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ هَلِ اِسْتَبَدُّوا بِخَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَكُونُوا مَعْبُودِينَ مِثْلَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ ألَهم شَرِكَةٌ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ.
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ أيْ بَلْ آتَيْناهم كِتابًا يَنْطِقُ بِأنّا اِتَّخَذْناهم شُرَكاءَ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنَّ لَهم شَرِكَةً مَعَنا.
وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّرَقِّي في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِخَلْقِ جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ شَرِكَةُ ما مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ، والِاشْتِراكُ مَعَهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ السَّماواتِ أدَلُّ عَلى إثْباتِها، ثُمَّ إيتاءُ كِتابٍ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّهم شُرَكاؤُهُ أدَلُّ وأدَلُّ، وقِيلَ: هم في ﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في (فَهُمْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ [اَلرُّومِ: 35] إلخ فَفي الكَلامِ اِلْتِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنِ المُشْرِكِينَ وتَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الغَيْبِ.
والمَعْنى أنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ إمّا بِالعَقْلِ ولا عَقْلَ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ عِبادَةِ مَن لا يَخْلُقُ جُزْءًا ما مِنَ الأرْضِ دَلالَةُ شِرْكٍ في السَّماءِ، وإمّا بِالنَّقْلِ ولَمْ نُؤْتِ المُشْرِكِينَ كِتابًا فِيهِ الأمْرُ بِعِبادَةِ هَؤُلاءِ، وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ضَمِيرُ (p-204)﴿آتَيْناهُمْ﴾ لِلشُّرَكاءِ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ وضَمِيرُ ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، وزَعَمَ أنْ لا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ ولا تَفْكِيكَ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «عَلى بَيِّناتٍ» بِالجَمْعِ فَيَكُونُ إيماءً إلى أنَّ الشِّرْكَ خَطِيرٌ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَعاضُدِ الدَّلائِلِ وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ.
﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾ لَمّا نَفِي سُبْحانَهُ ما نَفى مِنَ الحُجَجِ في ذَلِكَ أضْرَبَ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ بِذِكْرِ ما حَمَلَهم عَلى الشِّرْكِ وهو تَقْرِيرُ الأسْلافِ لِلْأخْلافِ وإضْلالُ الرُّؤَساءِ لِلْأتْباعِ بِأنَّهم شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَشْفَعُونَ لَهم بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ الكَثِيرِ في عَبَدَةِ الأصْنامِ وحُكْمُها عامٌّ، وقِيلَ: في عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صَنَمًا كانَ أوْ مَلِكًا أوْ غَيْرَهُما.
{"ayah":"قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ شُرَكَاۤءَكُمُ ٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِی مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكࣱ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ أَمۡ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ كِتَـٰبࣰا فَهُمۡ عَلَىٰ بَیِّنَتࣲ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن یَعِدُ ٱلظَّـٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











