الباحث القرآني
﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ كاشِفٌ عَنْ جَلِيَّةِ حالِ ما يَدْعُونَهُ بِأنَّهُ جَمادٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السَّماعُ، هَذا إذا كانَ الكَلامُ مَعَ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عَبَدَتِها وعَبَدَةِ المَلائِكَةِ وعِيسى وغَيْرِهِمْ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وعَدَمُ السَّماعِ حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّ المَعْبُودَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ كالأصْنامِ، وإمّا لِأنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ وبُعْدٍ بَعِيدٍ عَنْ عابِدِهِ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ البَلْخِيِّ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ سَمْعَهُ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِثْلُ هَذا الدُّعاءِ لِغايَةِ قُبْحِهِ وثِقَلِهِ عَلى سَمْعِ مَن هو في غايَةِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُرَدُّ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَسْمَعُونَ، وهم في السَّماءِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ دُعاءُ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم سُبْحانَهُ، وفي نَظْمِ ذِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ في سِلْكِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن حَيْثِيَّةِ السَّماعِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ تَوَقُّفٌ عِنْدِي، بَلْ في سَماعِ كُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم في السَّماءِ وذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وهم في مَقارِّ نَعِيمِهِمْ نِداءَ مَن ناداهم غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ تَوَقُّفٌ عِنْدِي أيْضًا، إذْ لَمْ أظْفَرْ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ عَلى ذَلِكَ، والعَقْلُ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ لا يُكْتَفى بِمُجَرَّدِ تَجْوِيزِهِ في القَوْلِ بِهِ.
﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يُرْزَقُوا قُوَّةَ التَّكَلُّمِ، والسَّماعُ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، فالمُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ الِاسْتِجابَةُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الِاسْتِجابَةُ بِالفِعْلِ، أيْ ولَوْ سَمِعُوا ما نَفَعُوكم لِعَجْزِهِمْ عَنِ الأفْعالِ بِالمَرَّةِ، هَذا إذا كانَ المُدَّعُونَ الأصْنامَ وأمّا إذا كانُوا المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ نَحْوَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ فَعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ القَوْلِيَّةِ لِأنَّ دُعاءَهم مِن حَيْثُ زَعَمَ أنَّهم آلِهَةٌ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَكَيْفَ يُجِيبُونَ زاعِمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وفِيهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما فِيهِ، وعَدَمُ الِاسْتِجابَةِ الفِعْلِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِهَذا أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ نَفْعَ مَن دَعاهم لَيْسَ مِن وظائِفِهِمْ، وقِيلَ لِأنَّهم يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا في العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأوَّلِ أيْضًا فَتَأمَّلْ.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَكم إذا دَعَوْتُمُوهُمْ، وشِرْكٌ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ إشْراكَكم إيّاهم (p-183)وعِبادَتَكم إيّاهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ تَعالى الأصْنامَ عَلى الكَلامِ فَيَقُولُونَ لَهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، أوْ يَظْهَرُ مِن حالِها ظُهُورُ نارِ القُرى لَيْلًا عَلى عِلْمِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولِسانُ الحالِ أفْصَحُ مِن لِسانِ المَقالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ يُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وإنْ كانَ المَدْعُوُّونَ المَلائِكَةَ ونَحْوَهم فَأمْرُ التَّكَلُّمِ ظاهِرٌ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ المَلائِكَةِ لِلْمُشْرِكِينَ في السُّورَةِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: 40، 41].
﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أيْ لا يُخْبِرُكَ بِالأمْرِ مُخْبِرٌ مِثْلُ مُخْبِرٍ خَبِيرٍ أخْبَرَكَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الخَبِيرُ بِكُنْهِ الأُمُورِ، وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُخْتَصٍّ، أيْ لا يُخْبِرُكَ أيُّها السّامِعُ كائِنًا مَن كُنْتَ مُخْبِرٌ هو مِثْلُ الخَبِيرِ العالَمِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، والمُرادُ تَحْقِيقُ ما أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن حالِ آلِهَتِهِمْ ونَفْيِ ما يَدَّعُونَ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُخْبِرُكَ مُخْبِرٌ مِثْلُ مَن يُخْبِرُكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عَنْ أنْفُسِها بِأنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
{"ayah":"إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا یَسۡمَعُوا۟ دُعَاۤءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُوا۟ مَا ٱسۡتَجَابُوا۟ لَكُمۡۖ وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا یُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِیرࣲ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











