الباحث القرآني

﴿وقالُوا﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُتْرَفِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقِيلَ: لِقُرَيْشٍ، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ هو الأوَّلُ، والمُرادِ حِكايَةُ ما شَجَّعَهم عَلى الكُفْرِ بِما أرْسَلَ بِهِ المُنْذِرُونَ، أيْ وقالَ المُتْرَفُونَ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ أيْ أمْوالُنا وأوْلادُنا كَثِيرَةٌ جِدًّا فَأفْعَلُ لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وجُوِّزَ بَقاؤُهُ عَلى ما هو الأكْثَرُ اِسْتِعْمالًا والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ نَحْنُ أكْثَرُ مِنكم أمْوالًا وأوْلادًا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي يُكَدِّرُ عَلَيْنا لَذَّةَ كَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ مِن خَوْفِ المُلُوكِ وقَهْرِ الأعْداءِ وعَدَمِ نُفُوذِ الكَلِمَةِ والكَدِّ في تَحْصِيلِ المَقاصِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإيلاءُ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وحاصِلُ قَوْلِهِمْ نَحْنُ في نِعْمَةٍ لا يَشُوبُها نِقْمَةٌ وهو دَلِيلُ كَرامَتِنا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورِضاهُ عَنّا فَلَوْ كانَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِمّا تَدْعُونا إلى تَرْكِهِ مُخالِفًا لِرِضاهُ لَما كُنّا فِيما كُنّا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ قاسُوا أُمُورَ الآخِرَةِ المَوْهُومَةَ أوِ المَفْرُوضَةَ عِنْدَهم عَلى أُمُورِ الدُّنْيا وزَعَمُوا أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ وقالُوا: نَفْيُ كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ إمّا بِناءً عَلى اِنْتِفاءِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ رَأْسًا وإمّا بِناءً عَلى بِناءٍ عَلى اِعْتِقادِ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهم في الدُّنْيا فَلا يُهِينُهم في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها، وقالَ الخَفاجِيُّ في وجْهِ إيلاءِ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مُعَذَّبُونَ اِسْتِهانَةً بِهِمْ لِظَنِّهِمْ أنَّ المالَ والوَلَدَ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهُمْ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ المَنفِيِّ أعَمُّ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ والعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي قَدْ يُنْذِرُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَتَوَعَّدُونَ بِهِ قَوْمَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أنْسَبُ بِالمَقامِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب