الباحث القرآني
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ نَزَلَتْ فِيما كانَتْ مِن أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وتَزَوُّجِهِ ﷺ بِها وما سَمِعَ في ذَلِكَ مِن كَلامٍ آذاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ أيْ مِن قَوْلِهِمْ أوِ الَّذِي قالُوهُ وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ هُنا بِمَعْنى المَقُولِ، والمُرادُ بِهِ مَدْلُولُهُ الواقِعُ في الخارِجِ وبِتَبْرِئَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ إظْهارُ بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ وكَذِبِهِمْ فِيما أسْنَدُوا إلَيْهِ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى أذاهم ظُهُورُ بَراءَتِهِ لا بَراءَتِهِ لِأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، واسْتِعْمالُ الفِعْلِ مَجازًا عَنْ إظْهارِهِ، والمَقُولُ بِمَعْنى المَضْمُونِ كَثِيرٌ شائِعٌ فالمَعْنى فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ الأمْرِ المَعِيبِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أظْهَرَ بَراءَتَهُ عَمّا اِفْتَرَوْهُ عَلَيْهِ اِنْقَطَعَتْ كَلِماتُهم فِيهِ فَبَرِئَ مِن قَوْلِهِمْ عَلى أنَّ (بَرَّأهُ) بِمَعْنى خَلَّصَهُ مِن قَوْلِهِمْ لِقَطْعِهِ عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ لِأنَّ قَطْعَ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بَلِ المُرادُ اِنْقِطاعُهُ لِظُهُورِ خِلافِهِ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ ما ذُكِرَ، والمُرادُ بِالأمْرِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْبٌ في بَدَنِهِ.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اِسْتِحْياءً مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقالُوا ما يَسْتَتِرُ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمّا قالُوا وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ اِغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ إلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وأنَّ الحَجَرَ غَدا بِثَوْبِهِ فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثُوبِي حَجَرُ، حَتّى اِنْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ .
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَتْلِ هارُونَ، أخْرَجَ اِبْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: صَعِدَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ الجَبَلَ فَماتَ هارُونُ فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى أنْتَ قَتَلْتَهُ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَنا مِنكَ وألْيَنَ فَآذَوْهُ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ فَحَمَلُوهُ فَمَرُّوا بِهِ عَلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكَلَّمَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَوْتِهِ فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى فانْطَلَقُوا بِهِ فَدَفَنُوهُ ولَمْ يَعْرِفْ قَبْرَهُ إلّا الرَّخَمُ وإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ أصَمَّ أبْكَمَ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ جَبَلَ كَذا فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَأذاهم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فَرْشٌ ورِيحٌ طَيِّبَةٌ فَلَمّا نَظَرَ هارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ فَقالَ يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ قالَ نَمْ عَلَيْهِ قالَ نَمْ مَعِي فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ فَلَّما رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ (p-95)وحَسَدَهُ لِحُبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ وكانَ هارُونُ أكُفَّ عَنْهم وألِينَ لَهم وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويَحْكُمُ إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.
وقِيلَ: ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزِّنا وحاشاهُ، رُوِيَ أنَّ قارُونَ أغْرى مُومَسَةً عَلى قَذْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْسِها ودَفَعَ إلَيْها مالًا عَظِيمًا فَأقَرَّتْ بِالمُصانَعَةِ الجارِيَةِ بَيْنَها وبَيْنَ قارُونَ وفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ كَما فُصِّلَ في سُورَةِ القَصَصِ، ويَبْعُدُ هَذا القَوْلُ تَبْعِيدًا ما جُمِعَ المَوْصُولُ.
وقِيلَ: ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، وقِيلَ: ما حُكِيَ عَنْهم في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 24] ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 61] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 55] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما قالُوا عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.
﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ أيْ كانَ ذا جاهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قُطْرُبَ: كانَ رَفِيعَ القَدْرِ ونَحْوُهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ: كانَ مَقْبُولًا، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ وجِيهًا مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ وزادَ بَعْضُهم ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطى إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا، ولا يَخْفى أنَّ اِسْتِجابَةَ الدَّعْوَةِ مِن فُرُوعِ رِفْعَةِ القَدْرِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَمَّهُ ولُقِّبَ كَلِيمَ اللَّهِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «عَبْدًا» مِنَ العُبُودَةِ «لِلَّهِ» بِلامِ الجَرِّ فَيَكُونُ عَبْدًا خَبَرَ كانَ و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وفي صِحَّةِ القِراءَةِ بِالشَّواذِّ كَلامٌ.
قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ اِبْنِ شَنْبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وكانَ «عَبْدًا لِلَّهِ» عَلى قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ولَعَلَّ اِبْنُ شَنْبُوذَ مِمَّنْ يَرى صِحَّةَ القِراءَةِ بِها مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ في اِبْنِ خالَوَيْهِ، وإلّا فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ قالَ صاحِبُ الرَّوْضَةِ: وتَصِحُّ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَغْيِيرُ مَعْنًى ولا زِيادَةُ حَرْفٍ ولا نُقْصانٌ، وهاهُنا بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بَوْنٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ونَحْوُهُ عَنِ اِبْنِ جِنِّيٍّ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ ءَاذَوۡا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِیهࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











