الباحث القرآني
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ عُودٌ إلى ذِكْرِ النِّساءِ، والنِّكاحُ هُنا العَقْدُ بِالِاتِّفاقِ واخْتَلَفُوا في مَفْهُومِهِ لُغَةً فَقِيلَ هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الوَطْءِ والعَقْدِ اِشْتِراكًا لَفْظِيًّا، وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ، وقِيلَ: بِقَلْبِهِ، وقِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما اِشْتِراكًا مَعْنَوِيًّا وهو مِن أفْرادِ المُشَكِّكِ، وحَقِيقَتُهُ الضَّمُّ والجَمْعُ كَما في قَوْلِهِ:
؎ضَمَمْتُ إلى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِها كَمّا نَكَحَتْ أمُّ الغُلامِ صَبِيَّها
ونَقَلَ المُبَرِّدُ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ وغُلامُ ثَعْلَبٍ الشَّيْخُ عُمَرُ والزّاهِدُ عَنِ الكُوفِيِّينَ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِن لَفْظِ الضَّمِّ (p-48)تَعَلُّقُهُ بِالأجْسامِ لا الأقْوالِ لِأنَّها أعْراضٌ يَتَلاشى الأوَّلُ مِنها قَبْلَ وُجُودِ الثّانِي فَلا يُصادِفُ الثّانِيَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَجازًا في العَقْدِ، وإنِ اُعْتُبِرَ الضَّمُّ أعَمَّ مِن ضَمِّ الجِسْمَ إلى الجِسْمِ والقَوْلِ إلى القَوْلِ جازَ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ حَقِيقَةً في كُلٍّ مِنَ الوَطْءِ والعَقْدِ وجازَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَلى التَّفْصِيلِ المَعْرُوفِ في اِسْتِعْمالِ العامِّ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، واخْتارَ الرّاغِبُ القَوْلَ الثّانِيَ مِنَ الأقْوالِ السّابِقَةِ وبالَغَ في عَدَمِ قَبُولِ الثّالِثِ، فَقالَ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْجِماعِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ لِلْجِماعِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْعَقْدِ لِأنَّ أسْماءَ الجِماعِ كُلَّها كِناياتٌ لِاسْتِقْباحِهِمْ ذِكْرَهُ كاسْتِقْباحِ تَعاطِيهِ، ومُحالٌ أنْ يَسْتَعِيرَ مَن لا يَقْصِدُ فُحْشًا اِسْمَ ما يَسْتَفْظِعُونَهُ لِما يَسْتَحْسِنُهُ.
واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّالِثَ فَقالَ: النِّكاحُ، الوَطْءُ وتَسْمِيَةُ العَقْدِ نِكاحًا لِمُلابَسَتِهِ لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ لَهُ ونَظِيرُهُ تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا لِأنَّها سَبَبٌ في اِقْتِرافِ الإثْمِ، ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكاحِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا في مَعْنى العَقْدِ لِأنَّهُ في حَقِّ الوَطْءِ مِن بابِ التَّصْرِيحِ بِهِ ومِن آدابِ القُرْآنِ الكِنايَةُ عَنْهُ بِلَفْظِ المُلامَسَةِ والمُماسَّةِ والقُرْبانِ والتَّغَشِّي والإتْيانِ، وأرادَ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ في العَقْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُنْسًى فِيهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، وبُحِثَ في قَوْلِهِ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ النِّكاحِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا في مَعْنى العَقْدِ بِأنَّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 23] بِمَعْنى الوَطْءِ، وهَذا ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وخالَفَ في ذَلِكَ اِبْنُ المُسَيِّبِ، وتَمامُ الكَلامِ في مَوْضِعِهِ، والمَسُّ في الأصْلِ مَعْرُوفٌ وكُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ الجِماعِ، والعِدَّةُ هي الشَّيْءُ المَعْدُودُ، وعِدَّةُ المَرْأةِ المُرادُ بِها الأيّامُ الَّتِي بِانْقِضائِها يَحِلُّ لَها التَّزَوُّجُ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا عَقَدْتُمْ عَلى المُؤْمِناتِ وتَزَوَّجْتُمُوهُنَّ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلُ أنْ تُجامِعُوهُنَّ فَما لَكَمَ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ بِأيّامٍ يَتَرَبَّصْنَ فِيها بِأنْفُسِهِنَّ تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها، عَلى أنَّ تَعْتَدُّونَ مُطاوِعُ عَدَّ، يُقالُ: عَدَّ الدَّراهِمَ فاعْتَدَّها أيِ اِسْتَوْفى عَدَدَها نَحْوَ قَوْلِكَ كِلْتُهُ فاكْتَلْتُهُ ووَزِنْتُهُ فاتَّزَنْتُهُ أوْ تَعَدُّونَها عَلى أنَّ اِفْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِّجالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقُّ الأزْواجِ ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكُمْ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ الفُرُوعِ كالهِدايَةِ وغَيْرِها أنَّها حَقُّ الشَّرْعِ، ولِذا لا تَسْقُطُ لَوْ أسْقَطَها الزَّوْجُ ولا يَحِلُّ لَها الخُرُوجُ ولَوْ أُذِنَ لَها، وتَتَداخَلُ العِدَّتانِ ولا تَداخُلَ في حَقِّ العَبْدِ وحَقِّ الوَلَدِ أيْضًا ولِذا قالَ ﷺ: ««لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ»». وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أنَّهُما لا يَصْدُقانِ في إبْطالِها بِاتِّفاقِهِما عَلى عَدَمِ الوَطْءِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّها صَرْفُ حَقِّهِمْ بَلْ أنَّ نَفْعَها وفائِدَتَها عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّها لِصِيانَةِ مِياهِهِمْ والأنْسابِ الرّاجِعَةِ إلَيْهِمْ فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِلشَّرْعِ والوَلَدِ حَقٌّ فِيها يَمْنَعُ إسْقاطَها ولَوْ فُرِضَ أنَّها صَرْفُ حَقِّهِمْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عَدَمَ سُقُوطِها بِإسْقاطِهِمْ لا يُنافِي ذَلِكَ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إذا أسْقَطَهُ العَبْدُ سَقَطَ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ بَعْضَ حُقُوقِ العَبْدِ لا تَسْقُطُ بِإسْقاطِهِ كالإرْثِ وحَقِّ الرُّجُوعِ الهِبَةِ وخِيارِ الرُّؤْيَةِ، ثُمَّ أنَّ في الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ عَلى أنَّها حَقُّ الوَلَدِ تَأمُّلًا كَما لا يَخْفى.
وتَخْصِيصُ المُؤْمِناتِ مَعَ عُمُومِ الحُكْمِ لِلْكِتابِيّاتِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ شَأْنُهُ أنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفَتِهِ ولا يَنْكِحَ إلّا مُؤْمِنَةً، وحاصِلُهُ أنَّهُ لِبَيانِ الأحْرى والألْيَقِ بَعْدَ ما فُصِّلَ في البَقَرَةِ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ.
وفائِدَةُ المَجِيءِ بِ ثُمَّ مَعَ أنَّ الحُكْمَ ثابِتٌ لِمَن تَزَوَّجَ اِمْرَأةً وطَلَّقَها عَلى الفَوْرِ كَثُبُوتِهِ لِمَن تَزَوَّجَها وطَلَّقَها بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ إزاحَةُ ما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ تَراخِيَ الطَّلاقِ لَهُ دَخْلٌ في إيجابِ العِدَّةِ لِاحْتِمالِ المُلاقاةِ والجِماعِ سِرًّا كَما أنَّ لَهُ دَخْلًا في النَّسَبِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى التَّراخِي، الرُّتْبِيِّ فَإنَّ الطَّلاقَ وإنْ كانَ مُباحًا لا كَراهَةَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 236] غَيْرُ مَحْبُوبٍ كالنِّكاحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ الوَصْلَةِ وحَلِّ قَيْدِ العِصْمَةِ المُؤَدِّي لِقِلَّةِ التَّناسُلِ الَّذِي بِهِ تَكْثُرُ الأُمَّةُ ولِهَذا ورَدَ (p-49)كَما أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: ««أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ»» ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا بِدُونِ اِبْنِ عُمَرَ بَلْ قالَ العَلّامَةُ اِبْنُ الهُمامِ: الأصَحُّ حَظْرُهُ وكَراهَتُهُ إلّا لِحاجَةٍ لِما فِيهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَةِ النِّكاحِ ولِلْأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ، ويُحْمَلُ لَفْظُ المُباحِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ عَلى ما أُبِيحَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي أوْقاتَ تَحَقُّقِ الحاجَةِ المُبِيحَةِ، وهو ظاهِرٌ في رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ: «ما أحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ،» والفِعْلُ لا عُمُومَ لَهُ في الأزْمانِ، والحاجَةُ المُبِيحَةُ الكِبْرُ والرِّيبَةُ مَثَلًا، ومِنَ المُبِيحِ عَدَمُ اِشْتِهائِها بِحَيْثُ يَعْجِزُ أوْ يَتَضَرَّرُ بِإكْراهِهِ نَفْسَهُ عَلى جِماعِها مَعَ عَدَمِ رِضاها بِإقامَتِها في عِصْمَتِهِ مِن غَيْرِ وطْءٍ أوْ قَسَمٍ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ السِّبْطِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ قِيلَ لَهُ في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وطَلاقِهِ فَقالَ: أُحِبُّ الغِناءَ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [اَلنِّساءِ: 130] فَهو رَأْيٌ مِنهُ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، وكُلُّ ما نُقِلَ عَنِ طَلاقِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الحاجَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى فِيها وُجُوبَ العِدَّةِ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الجِماعِ، والخَلْوَةُ لَيْسَتْ جِماعًا وهي عِنْدَنا إذا كانَتْ صَحِيحَةً عَلى الوَجْهِ المُبِينِ في كُتُبِ الفُرُوعِ كالجِماعِ في وُجُوبِ العِدَّةِ فَتَجِبُ فِيهِ العِدَّةُ اِحْتِياطًا لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ نَظَرًا إلى التَّمَكُّنِ الحَقِيقِيِّ بَلْ قالُوا هو مِثْلُهُ في جَمِيعِ أحْكامِهِ سِوى عَشَرَةٍ نَظَمَها أفْضَلُ مَن عاصَرْناهُ مِنَ الفُقَهاءِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الأمِينِ الشّامِيُّ الشَّهِيرُ بِابْنِ عابِدِينَ بِقَوْلِهِ:
؎وخَلْوَتُهُ كالوَطْءِ في غَيْرِ عَشْرَةٍ ∗∗∗ مُطالَبَةٍ بِالوَطْءِ إحْصانِ تَحْلِيلِ
؎وفَيْءٍ وارِثٍ رَجْعَةٍ فَقْدٍ عُنَّةٍ ∗∗∗ وتَحْرِيمِ بِنْتٍ عَقْدِ بِكْرٍ وتَغْسِيلِ
وظاهِرُ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ العِدَّةِ فِيها أنَّها واجِبَةٌ قَضاءً ودِيانَةً، وفي الفَتْحِ قالَ العِتابِيُّ: تَكَلَّمَ مَشايِخُنا في العِدَّةِ الواجِبَةِ بِالخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ أنَّها واجِبَةٌ ظاهِرًا أوْ حَقِيقَةً فَقِيلَ: لَوْ تَزَوَّجَتْ وهي مُتَيَقِّنَةٌ بِعَدَمِ الدُّخُولِ حُلَّ لَها دِيانَةً لا قَضاءً اه، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ وذَكَرَهُ سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ في (حَواشِي البَيْضاوِيِّ ) وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّعْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ الخَفاجِيِّ بِأنَّهُ وإنْ نَقَلَهُ فُقَهاؤُنا فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ونَحْنُ لَمْ نَرَ هَذا التَّصْرِيحَ فَلْيُتَتَبَّعْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ في الطَّلاقِ بَعْدَ الخَلْوَةِ مِمّا يُعَدُّ مَنطُوقًا صَرِيحًا في الآيَةِ إذا فُسِّرَ المَسُّ بِالجِماعِ ولَيْسَ مِن بابِ المَفْهُومِ حَتّى يُقالَ: إنّا لا نَقُولُ بِهِ كَما يُتَوَهَّمُ فَلا بُدَّ لِإثْباتِ وُجُوبِ العِدَّةِ في ذَلِكَ مِن دَلِيلٍ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَسَّ فِيها عَلى الخَلْوَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ إذِ المَسُّ مُسَبَّبٌ عَنِ الخَلْوَةِ عادَةً، واعْتُرِضْ بِأنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرِ المَسُّ بِمَعْنى الخَلْوَةِ ولا قَرِينَةَ في الكَلامِ عَلى إرادَتِهِ مِنهُ، وأيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها وقَدْ وطِئَها بِحَضْرَةِ النّاسِ عَدَمُ وُجُوبِ العِدَّةِ لِأنَّهُ قَدْ طَلَّقَها قَبْلَ الخَلْوَةِ.
وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ وُجُوبَ العِدَّةِ في ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وبِأنَّ العِدَّةَ إذا وجَبَتْ في الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ كانَتْ واجِبَةً فِيهِ بِالجِماعِ مِن بابِ أوْلى، وكَيْفَ لا تَجِبُ بِهِ ووُجُوبُها بِالخَلْوَةِ لِاحْتِمالِ وُقُوعِهِ فِيها لا لِذاتِها، وقِيلَ: إنَّ المَسَّ لَمّا لَمْ يَرِدْ ظاهِرُهُ وإلّا لَزِمَتِ العِدَّةُ فِيما لَوْ طَلَّقَها بَعْدَ أنْ مَسَّها بِيَدِهِ في غَيْرِ خَلْوَةٍ مَعَ أنَّهُ لا تَلْزَمُ في ذَلِكَ بِلا خِلافٍ عُلِمَ أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْ مَعْنًى آخَرَ مِن لَوازِمِ الِاتِّصالِ فَهو الجِماعُ وما في مَعْناهُ مِنَ الخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ عَدَمَ صِحَّةِ إرادَةِ ظاهِرِهِ لا يُوجِبُ إرادَةَ ما يَعُمُّ الجِماعَ والخَلْوَةَ لِمَ لا يَجُوزُ إرادَةُ الجِماعِ ويُرَجِّحُها شُهْرَةُ الكِنايَةِ (p-50)بِذَلِكَ ونَحْوِهِ عَنِ الجِماعِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ إمّا مِن إطْلاقِ اِسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أوْ مِن إطْلاقِ اِسْمِ المُطْلَقِ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ وهو الأوْجَهُ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ اِبْنُ الهُمامِ، وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ العِدَّةِ بِمُجَرَّدِ الخَلْوَةِ قَوْلٌ مَتِينٌ وحَقٌّ مُبِينٌ فَتَأمَّلْ.
وفِي (اَلْبَحْرِ) لِأبِي حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ المُطَلَّقَةَ إذا راجَعَها زَوْجُها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها ثُمَّ فارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها لا تَتِمُّ عِدَّتُها مِنَ الطَّلْقَةِ الأُولى لِأنَّها مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها وبِهِ، قالَ داوُدُ وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: تَمْضِي في عِدَّتِها عَنْ طَلاقِها الأوَّلِ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقالَ مالِكٌ: لا تَبْنِي عَلى العِدَّةِ مِنَ الطَّلاقِ الأوَّلِ وتَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ مِن يَوْمِ طَلَّقَها الطَّلاقَ الثّانِيَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ فُقَهاءِ الأمْصارِ، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّها لَوْ كانَتْ بائِنًا غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ فَتَزَوَّجَها في العِدَّةِ ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ الدُّخُولِ فَكالرَّجْعِيَّةِ في قَوْلِ داوُدَ لَيْسَ عَلَيْها عِدَّةٌ لا بَقِيَّةَ عِدَّةِ الطَّلاقِ الأوَّلِ ولا اِسْتِئْنافَ عِدَّةٍ لِلثّانِي ولَها نِصْفُ المَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ وابْنُ شِهابٍ ومالِكٌ والشّافِعِيٌّ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وزُفَرُ: لَها نِصْفُ الصَّداقِ وتُتِمُّ بَقِيَّةَ العِدَّةِ الأُولى، وقالَ الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ: لَها مَهْرٌ كامِلٌ لِلنِّكاحِ الثّانِي وعِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ جَعَلُوها في حُكْمِ المَدْخُولِ بِها لِاعْتِدادِها مِن مِائَةٍ اه، وفِيهِ أيْضًا الظّاهِرُ أنَّ الطَّلاقَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العَقْدِ فَلا يَصِحُّ طَلاقُ مَن لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْها وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهم مالِكٌ يَصِحُّ ذَلِكَ وعَنى بِطَلاقِ مَن لَمْ يُعْقَدْ عَلَيْها قَوْلُ الرَّجُلِ كُلُّ اِمْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ أوْ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهي طالِقٌ.
وقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ إنْ طَلَّقَ ما لَمْ يَنْكِحْ فَهو جائِزٌ، فَقالَ: أخْطَأ في هَذا وتَلا الآيَةَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوْ كانَ كَما قالَ لَقالَ اللَّهُ تَعالى: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ» ولَكِنْ إنَّما قالَ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ .
وفِي (اَلدُّرِّ المَنثُورِ) عِدَّةُ أحادِيثَ مَرْفُوعَةٍ ناطِقَةٍ بِأنَّ لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ، والمَذْكُورُ في فُرُوعِنا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّعْلِيقِ وشَرَطُهُ المِلْكُ أوِ الإضافَةُ إلَيْهِ، فَإذا قالَ: إنْ نَكَحْتُ اِمْرَأةً فَهي طالِقٌ أوْ إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ وكُلُّ اِمْرَأةٍ أنْكِحُها فَهي طالِقٌ، يَقَعُ الطَّلاقُ إذا نَكَحَ لِأنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقٌ وفِيهِ إضافَةً إلى المِلْكِ ويَكْفِي مَعْنى الشَّرْطِ إلّا في المُعَيَّنَةِ بِاسْمٍ ونَسَبٍ، كَما إذا قالَ: فُلانَةٌ بِنْتُ فُلانٍ الَّتِي أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ أوْ بِإشارَةٍ في الحاضِرَةِ، كَما لَوْ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ الَّتِي أتَزَوَّجُها طالِقٌ، فَإنَّها لا تُطَلَّقُ في الصُّورَتَيْنِ لِتَعْرِيفِها فَلَغا الوَصْفُ بِاَلَّتِي أتَزَوَّجُها فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: فُلانَةٌ بِنْتُ فُلانٍ أوْ هَذِهِ المَرْأةُ طالِقٌ وهي أجْنَبِيَّةٌ ولَمْ تُوجَدِ الإضافَةُ إلى المِلْكِ فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إذا تَزَوَّجَها فَتَدَبَّرْ.
وقُرِئَ «تُماسُّوهُنَّ» بِضَمِّ التّاءِ وألِفٍ بَعْدِ المِيمِ، وعَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ مَكَّةَ «تَعْتَدُونَها» بِتَخْفِيفِ الدّالِ ونَقَلَها عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ اِبْنُ خالَوَيْهِ وأبُو الفَضْلِ الرّازِّيُّ في (اللَّوامِحِ) عَنْهُ وعَنْ أهْلِ مَكَّةَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: رَوى اِبْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَخْفِيفِ الدّالِّ مِنَ العُدْوانِ كَأنَّهُ قالَ: فَما لَكم عِدَّةٌ تُلْزِمُونَها عُدْوانًا وظُلْمًا لَهُنَّ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ عَنْهُ وتَخْفِيفُ الدّالِ وهْمٌ مِنَ اِبْنِ أبِي بَزَّةَ اه، ولَيْسَ بِوَهْمٍ إذْ قَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ غَيْرُهُ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنْ «تَعْتَدُونَها» مِنَ الِاعْتِداءِ بِمَعْنى الظُّلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 31] والمُرادُ تَعْتَدُونَ فِيها كَقَوْلِهِ:
؎ويَوْمٍ شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا ∗∗∗ قَلِيلٍ سِوى طَعْنِ الدِّراكِ نَوافِلُهُ(p-51)
أيْ شَهْدِنا فِيهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ الفِعْلَ بِالضَّمِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الِاعْتِداءَ يَتَعَدّى بِعَلى فالمُرادُ تَعْتَدُونَ عَلَيْهِنَّ فِيها، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ عَلى قَوْلُهُ:
؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي
فَإنَّهُ أرادَ لَقُضِيَ عَلَيَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى إبْدالِ أحَدِ الدّالَيْنِ بِالتّاءِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ تَخْرِيجٌ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ عَدَّ يَعُدُّ مِن بابِ نَصَرَ كَما في كُتُبِ اللُّغَةِ فَلا وجْهَ لِفَتْحِ التّاءِ لَوْ كانَتْ مُبْدَلَةً مِنَ الدّالِ، فالظّاهِرُ حَمْلُهُ عَلى حَذْفِ إحْدى الدّالَيْنِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ الحَسَنُ بِإسْكانِ العَيْنِ كَغَيْرِهِ وتَشْدِيدِ الدّالِ جَمْعًا بَيْنَ السّاكِنَيْنِ.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ فَأعْطَوْهُنَّ المُتْعَةَ، وهي في المَشْهُورِ دِرْعٌ أيْ قَمِيصٌ وخِمارٌ وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها ومِلْحَفَةٌ وهي ما تَلْتَحِفُ بِهِ مِن قَرْنِها إلى قَدَمِها ولَعَلَّها ما يُقالُ لَهُ إزارٌ اليَوْمَ، وهَذا عَلى ما في البَدائِعِ أدْنى ما تُكْسى بِهِ المَرْأةُ وتَتَسَتَّرُ عِنْدَ الخُرُوجِ.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ فَخْرِ الإسْلامِ والفاضِلِ البَرِّ جُنْدِيٍّ أنَّهُ يُعْتَبَرُ عُرْفُ كُلِّ بَلْدَةٍ فِيما تُكْسى بِهِ المَرْأةُ عِنْدَ الخُرُوجِ، والمُفْتى بِهِ الأشْبَهُ بِالفِقْهِ قَوْلُ الخَصّافِ: إنَّها تُعْتَبَرُ بِحالِهِما فَإنْ كانا غَنِيَّيْنِ فَلَها الأعْلى مِنَ الثِّيابِ أوْ فَقِيرَيْنِ فالأدْنى أوْ مُخْتَلِفَيْنِ فالوَسَطُ، وتَجِبُ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الوَطْءِ والخَلْوَةِ عِنْدَ مُعْتَبِرِها لَمْ يُسَمَّ لَها في النِّكاحِ تَسْمِيَةً صَحِيحَةً مِن كُلِّ وجْهٍ مَهْرٌ ولا تَزِيدُ عَلى نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ ولا تَنْقُصُ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ فَإنْ ساوَتِ النِّصْفَ فَهي الواجِبَةُ وإنْ كانَ النِّصْفُ أقَلَّ مِنها فالواجِبُ الأقَلُّ إلّا أنْ يَنْقُصَ عَنْ خَمْسَةِ دَراهِمَ، فَيُكْمَلُ لَها الخَمْسَةُ.
وفِي البَدائِعِ لَوْ دُفِعَ لَها قَيْمَةُ المُتْعَةِ أُجْبِرَتْ عَلى القَبُولِ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ وكانَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ فَمَتِّعُوهُنَّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا لَهُنَّ في النِّكاحِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأمّا المَفْرُوضُ لَها فِيهِ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ المَسِّ فالواجِبُ لَها نِصْفُ المَفْرُوضِ لا غَيْرَ.
وأمّا المُتْعَةُ فَهي عَلى ما في المَبْسُوطِ والمُحِيطِ وغَيْرِهِما مِنَ المُعْتَبَراتِ مُسْتَحَبَّةٌ، وعَلى ما في بَعْضِ نُسَخِ القُدُورِيِّ ومَشى عَلَيْهِ صاحِبُ الدُّرَرِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ أيْضًا، والأرْجَحُ أنَّها مُسْتَحَبَّةٌ، وفي قَوْلِ الشّافِعِيِّ القَدِيمِ أنَّها واجِبَةٌ كَما في صُورَةِ عَدَمِ الفَرْضِ، وجُوِّزَ أنْ تَبْقى الآيَةُ عَلى ظاهِرِها ويَكُونُ المُرادُ ذِكْرُ حُكْمِ المُطَلَّقَةِ قَبْلَ المَسِّ سَواءٌ فُرِضَ لَها في النِّكاحِ أمْ لَمْ يُفْرَضْ، ويُرادُ بِالمُتْعَةِ العَطاءُ مُطْلَقًا فَيَعُمُّ نِصْفَ المَفْرُوضِ والمُتْعَةَ المَعْرُوفَةَ في الفِقْهِ ويَكُونُ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ أيْضًا أوْ يُرادُ بِالمُتْعَةِ مَعْناها المَعْرُوفُ ويُحْمَلُ الأمْرُ عَلى ما يَشْمَلُ الوُجُوبَ والنَّدْبَ.
وادَّعى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 237] قالَ: فَصارَ لَها نِصْفُ الصَّداقِ ولا مَتاعَ لَها، وأنْكَرَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ النَّسْخَ وقالا لَها نِصْفُ الصَّداقِ ولَها المَتاعُ.
وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا دُخِلَ بِها أمْ لَمْ يُدْخَلْ بِها فُرِضَ لَها أوْ لَمْ يُفْرَضْ.
وظاهِرُهُ دَعْوى الوُجُوبِ في الكُلِّ وهو خِلافُ ما عِنْدَنا، وقَدْ عَلِمْتَ الحُكْمَ في صُورَتَيْنِ وهو في الصُّورَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ الِاسْتِحْبابُ، وأمّا دَعْوى النَّسْخِ فَلا يَخْفى ما فِيها، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ كَما ذُكِرَ فَمَتِّعُوهُنَّ.
﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ أيْ أخْرَجُوهُنَّ مِن مَنازِلِكم إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ، وأصْلُ التَّسْرِيحِ أنْ تَرْعى الإبِلُ السَّرْحَ وهو شَجَرٌ لَهُ ثَمَرَةٌ ثُمَّ جُعِلَ لَكم إرْسالٌ في الرَّعْيِ ثُمَّ لِكُلِّ إرْسالٍ وإخْراجٍ ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ مُشْتَمِلًا عَلى كَلامٍ طَيِّبٍ، عارِيًا عَنْ أذًى ومَنعٍ واجِبٍ، وقِيلَ: السَّراحُ الجَمِيلُ أنْ لا يُطالِبُوهُنَّ بِما آتَوْهُنَّ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هو الطَّلاقُ السُّنِّيُّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذاكَ لِعَطْفِهِ عَلى (p-52)التَّمْتِيعِ الواقِعِ بَعْدَ الفاءِ مُرَتَّبٌ عَلى الطَّلاقِ فَيَلْزَمُ تَرَتُّبَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ عَلى الطَّلاقِ، والضَّمِيرُ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَلاقًا مُرَتَّبًا عَلى الطَّلاقِ الأوَّلِ لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِهِنَّ لا يُتَصَوَّرُ فِيها لُحُوقُ طَلاقٍ بَعْدَ طَلاقٍ آخَرَ مَعَ أنَّها إذا طُلِّقَتْ بانَتْ.
{"ayah":"یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَیۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةࣲ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











