الباحث القرآني
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ إلخ، اِسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ ﴿ومَلائِكَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( يُصَلِّي ) لِمَكانِ الفَصْلِ المُغْنِي عَنِ التَّأْكِيدِ بِالمُنْفَصِلِ لا عَلى (هُوَ)، والصَّلاةُ في المَشْهُورِ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ - مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ومِنَ المَلائِكَةِ اِسْتِغْفارٌ ومِن مُؤْمِنِي الإنْسِ والجِنِّ دُعاءٌ، ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ اِسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا المَعْنَيانِ الأوَّلانِ فَيُرادُ بِها أوَّلًا الرَّحْمَةُ وثانِيًا الِاسْتِغْفارُ، ومَن لا يُجَوِّزُ كَأصْحابِنا يَقُولُ بِعُمُومِ المَجازِ بِأنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كِلا المَعْنَيَيْنِ فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ، وهو إمّا الِاعْتِناءُ رُبَّما فِيهِ خَيْرُ المُخاطَبِينَ وصَلاحُ أمْرِهِمْ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الرَّحْمَةِ والِاسْتِغْفارِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ لَهُ وهَذا المَجازُ مِنَ الصَّلاةِ بِمَعْنى الدُّعاءِ وهو إمّا اِسْتِعارَةٌ لِأنَّ الِاعْتِناءَ يُشْبِهُ الدُّعاءَ لِمُقارَنَةِ كُلٍّ مِنهُما لِإرادَةِ الخَيْرِ والأمْرِ المَحْبُوبِ، أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ الدُّعاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، وأمّا التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ المَأْخُوذُ مِنَ الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِانْعِطافِ الصُّورِيِّ الَّذِي هو الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، ولا رَيْبَ في أنَّ اِسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ودُعاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ تَرَحُّمٌ عَلَيْهِمْ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلرَّحْمَةِ لِكَوْنِهِمْ مُجابِي الدَّعْوَةِ كَما قِيلَ فَفِيهِ بَحْثٌ، ورُجِّحَ جَعْلُ المَعْنى العامِّ ما ذُكِرَ بِأنَّهُ أقْرَبُ لِما بَعْدُ، فَإنَّهُ نُصَّ عَلَيْهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ الرَّحْمَةُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَحِمَ مُتَعَدٍّ وصَلّى قاصِرٌ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وبِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَوازَ رَحِمَ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ تَعالى غايَرَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 157] لِلْعَطْفِ الظّاهِرِ في المُغايَرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِتَفْسِيرِ صَلّى بِ رَحِمَ إلّا بَيانُ أنَّ المَعْنى المَوْضُوعَ لَهُ صَلّى هو المَوْضُوعُ لَهُ رَحِمَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْنى التَّعَدِّي واللُّزُومِ فَإنَّ الرَّدِيفَيْنِ قَدْ يَخْتَلِفانِ في ذَلِكَ وهو غَيْرُ ضارٍّ، فَزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ، وأنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُ رَحِمَ عَلَيْهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ عَلى أنَّهُ يَحْسُنُ تَعْدِيَةُ صَلّى بِعَلى دُونَ رَحِمَ لِما في الأوَّلِ مِن ظُهُورِ مَعْنى التَّحَنُّنِ والتَّعَطُّفِ والعَطْفِ لِأنَّ الصَّلاةَ رَحْمَةٌ خاصَّةٌ ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ المُغايَرَةِ، وقِيلَ: إنْ تَعَدَّدَ الفاعِلُ صُيِّرَ الفِعْلُ كالمُتَعَدِّدِ، فَكَأنَّ الرَّحْمَةَ مُرادَةٌ مِن لَفْظٍ والِاسْتِغْفارَ مُرادٌ مِن آخَرَ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ ولَيْسَ هُناكَ اِسْتِعْمالُ لَفْظٍ واحِدٍ حَقِيقَةً وحُكْمًا في مَعْنَيَيْنِ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ كَوْنُ ( مَلائِكَتُهُ ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْكم فَهُناكَ لَفْظانِ حَقِيقَةً كُلٌّ مِنهُما بِمَعْنًى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَزِيدُكَ عِلْمًا بِأمْرِ الصَّلاةِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [اَلْأحْزابِ: 56] قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾» أيْ مِن ظُلُماتِ المَعاصِي إلى نُورِ الطّاعَةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: مِنَ الجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعالى إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الجَهْلَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالظُّلْمَةِ، والمَعْرِفَةَ (p-44)أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّورِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: أيٌّ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، وقالَ مُقاتِلٌ: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، وقِيلَ: مِنَ القُبُورِ إلى البَحْثِ حَكاهُ أبُو حَيّانَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُصَلِّي أيْ يَعْتَنِي بِكم هو سُبْحانَهُ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم أوْ يَتَرَحَّمَ هو عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم بِذَلِكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ كانَ سُبْحانَهُ بِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن زُمْرَتِهِمْ كامِلَ الرَّحْمَةِ ولِذا يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ أوْ كانَ بِكم رَحِيمًا عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مُظْهَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ الرَّحْمَةِ،
{"ayah":"هُوَ ٱلَّذِی یُصَلِّی عَلَیۡكُمۡ وَمَلَـٰۤىِٕكَتُهُۥ لِیُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَحِیمࣰا"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











