الباحث القرآني

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ بِالإخْلاصِ مُطْلَقًا، لا الَّذِينَ حُكِيَتْ مَحاسِنُهم خاصَّةً (p-170)﴿رِجالٌ﴾ أيْ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّباتِ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُقاتَلَةِ لِلْأعْداءِ، وقِيلَ: مِنَ الطّاعاتِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وسَبَبُ النُّزُولِ ظاهِرٌ في الأوَّلِ. أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ تَعالى ما أصْنَعُ، فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو أيْنَ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ مِن ضَرْبَةٍ، وطَعْنَةٍ، ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وأصْحابِهِ». وفِي الكَشّافِ نَذَرَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَبَتُوا، وقاتَلُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أيْ نَذَرُوا الثَّباتَ التّامَّ، والقِتالَ الَّذِي يُفْضِي بِحَسَبِ العادَةِ إلى نَيْلِ الشَّهادَةِ، وهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وحَمْزَةُ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وغَيْرُهُمْ، وعَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرِّجالَ هم أهْلُ العَقَبَةِ السَّبْعُونَ أهْلُ البَيْعَةِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ: هم بَنُو حارِثَةَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي ما قَدَّمْتُهُ، ومَعْنى ( صَدَقُوا ) أتَوْا بِالصِّدْقِ مِن صَدَقَنِي، إذا قالَ الصِّدْقَ، ومَحَلُّ ( ما عاهَدُوا ) النَّصْبُ إمّا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو فِي، وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِمْ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ، عَلى رِوايَةِ النَّصْبِ أيْ في سِنِّ بَكْرِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والأصْلُ: صَدَقُوا اللَّهَ فِيما عاهَدُوهُ، وإمّا عَلى أنَّهُ هو المَفْعُولُ الصَّرِيحُ. وجُعِلَ (ما عاهَدُوا عَلَيْهِ) بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ مُعاهَدٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ وجَعْلُهُ مَصْدُوقًا تَخْيِيلٌ، وعَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِحالِ الصّادِقِينَ، وتَقْسِيمٌ لَهم إلى قِسْمَيْنِ، والنَّحْبُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ النَّذْرُ المَحْكُومُ بِوُجُوبِهِ، يُقالُ: قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، أيْ وفى بِنَذْرِهِ. وقالَ أبُو حَيّانَ: النَّذْرُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ، ويَعْتَقِدُ الوَفاءَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَ ما قَضى نَحْبَهُ في مُلْتَقى القَوْمِ هَوْبَرُ وقالَ جَرِيرٌ: ؎بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ بَسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ أيْ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ التَزَمَ القِيامَ بِهِ، وشاعَ قَضى فُلانٌ نَحْبَهُ، بِمَعْنى ماتَ، إمّا عَلى أنَّ النَّحْبَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ في رَقَبَةِ كُلِّ إنْسانٍ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ، والقَضاءُ تَرْشِيحٌ، وإمّا عَلى أنَّ قَضاءَ النَّحْبِ مُسْتَعارٌ لَهُ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالنَّحْبِ في الآيَةِ النَّذْرُ، وأنْ يُرادَ المَوْتُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعارًا لِالتِزامِ المَوْتِ شَهِيدًا، إمّا بِتَنْزِيلِ التِزامِ أسْبابِهِ الَّتِي هي أفْعالٌ اخْتِيارِيَّةٌ لِلنّاذِرِ مَنزِلَةَ التِزامِ نَفْسِهِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ نَفْسِهِ مَنزِلَةَ أسْبابِهِ وإيرادِ الِالتِزامِ عَلَيْهِ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المَدْحِ، وجَعْلُهُ اسْتِعارَةً لِلْمَوْتِ، لِأنَّهُ كَنَذَرَ لازِمٌ مَسْخٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وإذْهابٌ بِرَوْنَقِها، وإخْراجٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ مُقْتَضى المَقامِ بِالكُلِّيَّةِ انْتَهى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ النَّحْبَ هُنا بِمَعْنى النَّذْرِ، وقَضاؤُهُ أداؤُهُ والوَفاءُ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هُوَ؟ وكانُوا لا يَجْتَرِؤُونَ عَلى مَسْألَتِهِ يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ (p-171)ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا قالَ: هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ،» وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ)،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «( طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ).» وكَأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنى مَدْحَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهِ تَعالى وجْهَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى أُصِيبَتْ يَدُهُ، وإلى حَمْلِ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، فالمَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعَهْدِهِ، وأدّى نَذْرَهُ، ومِنهم أيْ وبَعْضُهم مَن يَنْتَظِرُ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ فَيَقْضِي نَحْبَهُ، ويُؤَدِّي نَذْرَهُ ويَفِي بِعَهْدِهِ، ومَن حَمَلَ (ما عاهَدُوا اللَّهَ) تَعالى عَلى العُمُومِ، وأبْقى النَّحْبَ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: المَعْنى: مِنهم مَن وفى بِعُهُودِ الإسْلامِ، وما يَلْزَمُ مِنَ الطّاعاتِ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ الحُصُولَ في أعْلى مَراتِبِ الإيمانِ والصَّلاحِ، واسْتَشْكَلَ إبْقاءُ النَّحْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّ وفاءَ النَّذْرِ عَيْنُ صِدْقِ العَهْدِ، فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى وصَدَقُوا أيْ فَعَلُوا، ووَفُّوا بِما عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ، فَمِنهم مَن فَعَلَ، ووَفّى بِما عاهَدَ، وفِيهِ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، ويُشْكِلُ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ لِأنَّ المُنْتَظِرَ غَيْرُ وافٍ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ قِسْمًا مِنَ الَّذِينَ صَدَقُوا أيْ وفَّوْا، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّدْقِ في الآيَةِ مُطابَقَةُ النِّسْبَةِ الكَلامِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ الخارِجَةِ، وهَذا الكَلامُ المُتَضَمِّنُ لِهَذِهِ النِّسْبَةِ هو ما اقْتَضاهُ عَهْدُهم عَلى الثَّباتِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: لَئِنْ أرانا اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنُثْبِتَنَّ ولَنُقاتِلَنَّ، واتِّصافُ الخَبَرِ بِالصِّدْقِ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ، لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن مُطابَقَةِ نِسْبَتِهِ لِلْواقِعِ في أحَدِ الأزْمِنَةِ، فَنَحْوُ: يَقُومُ زَيْدٌ صادِقٌ، وكَذا المُخْبَرُ بِهِ وقْتَ الإخْبارِ بِهِ، وإنْ كانَ وُقُوعُ القِيامِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ مَثَلًا، وكَذا نَحْوُ: إنْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً فالنَّهارُ مَوْجُودٌ صادِقٌ، وإنْ كانَ التَّكَلُّمُ بِهِ لَيْلًا، فَهَؤُلاءِ الرِّجالُ لَمّا أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ إنَّهم إنْ أراهُمُ اللَّهُ تَعالى مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَبَتُوا وقاتَلُوا، وعَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا مُطابِقٌ لِلْواقِعِ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم صَدَقُوا، ثُمَّ قَسَمَهم عَزَّ وجَلَّ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أدّى ما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يُؤَدِّيهِ، وقِسْمٍ يَنْتَظِرُ وقْتًا يُؤَدِّيهِ فِيهِ، ولا يَتَّصِفُ هَذا القِسْمُ بِالكَذِبِ إلّا إذا ماتَ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، ولَمْ يُؤَدِّ، ومَن أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالصِّدْقِ ما ماتُوا حَتّى أدَّوْا فَلا إشْكالَ. نَعَمِ الإشْكالُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصِّدْقِ فِيما عاهَدُوا تَحْقِيقُ العَهْدِ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ كَما فَسَّرَهُ الرّاغِبُ، ويُرادُ مِن قَضاءِ النَّحْبِ وفاءُ النَّذْرِ أوِ العَهْدِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: المُرادُ بِصِدْقِهِمُ المَذْكُورِ مُطابَقَةُ ما في ألْسِنَتِهِمْ لِما في قُلُوبِهِمْ عَلى خِلافِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ. ولا إشْكالَ في التَّقْسِيمِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: الصِّدْقُ بِالمَعْنى المَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ إلّا أنَّ المُرادَ بِصَدَقُوا يُصَدِّقُونَ، وعَبَّرَ عَنِ المُضارِعِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ فَقالَ: أجْلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ ∗∗∗ أنَحَبٌ فَيَقْضِي أمْ ضَلالٌ وباطِلُ وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلَيْهِ لا مانِعَ (p-172)مِن أنْ يُرادَ (بِصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) كَما ذُكِرَ عَنِ الرّاغِبِ: حَقَّقُوا العَهْدَ فِيما أظْهَرُوهُ مِن أفْعالِهِمْ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ عاهَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى الثَّباتِ والقِتالِ إذا لَقُوا حَرْبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَقَّقُوا ذَلِكَ، وثَبَتُوا فَمِنهم مَن ماتَ، ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ المَوْتَ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ أنَّ المُرادَ قَضى نَحْبَهُ ثابِتًا بِأنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُشْهِدَ كَأنَسِ بْنِ النَّضْرِ، ومُعْصَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مَن ماتَ بَعْدَ الثَّباتِ حَتْفَ أنْفِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ إنْ كانَ هُنالِكَ مَن هو كَذَلِكَ، وعَدُّوا مِمَّنْ يَنْتَظِرُ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، وأوَّلُ ما ورَدَ في طَلْحَةَ مِن أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ في حُكْمِ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وأوْجَبُوا ذَلِكَ فِيما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ. وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، عَنْ عائِشَةَ بِلَفْظِ: ««مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَهِيدٍ يَمْشِي في الأرْضِ، وقَدْ قَضى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ»» وفِي مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ فِينا: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، وأنا واللَّهِ المُنْتَظِرَ. وفِي وصْفِهِمْ بِالِانْتِظارِ المُنْبِئِ عَنِ الرَّغْبَةِ في المُنْتَظِرِ شَهادَةٌ حَقَّةٌ بِكَمالِ اشْتِياقِهِمْ إلى الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إلى المَوْتِ مُطْلَقًا حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ( صَدَقُوا ) وفاعِلُهُ فاعِلُهُ، أيْ وما بَدَّلُوا عَهْدَهُمْ، وما غَيَّرُوهُ تَبْدِيلًا ما لا أصْلًا ولا وصْفًا، بَلْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ راغِبِينَ فِيهِ، مُراعِينَ لِحُقُوقِهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ، أمّا الَّذِينَ قَضَوْا فَظاهِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَيَشْهَدُ بِهِ انْتِظارُهم أصْدَقَ شَهادَةٍ، وتَعْمِيمُ عَدَمِ التَّبْدِيلِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ مَعَ ظُهُورِ حالِهِمْ لِلْإيذانِ بِمُساواةِ الفَرِيقِ الثّانِي لَهم في الحُكْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بَدَّلُوا ) لِلْمُنْتَظِرِينَ خاصَّةً بِناءً عَلى أنَّ المُحْتاجَ إلى البَيانِ حالُهُمْ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِمَن بَدَّلَ مِنَ المُنافِقِينَ حَيْثُ ولَّوُا الأدْبارَ، وكانُوا عاهَدُوا لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا كَما بَدَّلَ المُنافِقُونَ، فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب