الباحث القرآني
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، واسْتِهْزائِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإعْراضُ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ لِعَدَمِ نَفْعِها، أوْ تَخْصِيصُهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ النَّسْخُ.
﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: أيِ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التَّوْبَةُ: 52]، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ الآيَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: وانْتَظِرْ عَذابَنا لَهم إنَّهم مُنْتَظِرُونَ أيْ هَذا حُكْمُهُمْ، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ، فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ «مُنْتَظِرُونَ» بِفَتْحِ الظّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَنْتَظِرُونَهُ، والمُرادُ أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ هَذا.
* * *
«ومِن بابِ الإشارَةِ» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى الأسْبابِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَدْبِيرَ العِبادِ عِنْدَ تَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ لا أثَرَ لَهُ، فَطُوبى لِمَن رُزِقَ الرِّضا، بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَغْنى عَنْ تَدْبِيرِهِ، ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْتَقْبِحَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَصَقَ عَلى كَلْبٍ أجْرَبَ، فَأنْطَقَ اللَّهُ تَعالى الكَلْبَ فَقالَ: يا نُوحُ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ خالِقِي، فَناحَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا.
فالأشْياءُ كُلُّها حَسَنَةٌ كُلٌّ في بابِهِ والتَّفاوُتُ إضافِيٌّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ﴾ إلَخْ، إشارَةٌ إلى التَّنَقُّلِ في أطْوارِ الحُسْنِ والعُرُوجِ في مَعارِجِهِ فَكَمْ بَيْنَ الطِّينِ والإنْسانِ السَّمِيعِ البَصِيرِ العالِمِ فَإنَّ الإنْسانَ مِشْكاةُ أنْوارِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والطِّينُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا شَيْءٍ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (p-142)وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ كامِلِي الإيمانِ، وعُلُوِّ شَأْنِ السُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّواضُعِ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إشارَةٌ إلى سَهَرِهِمْ في مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ، ومُلاحَظَةِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ المَعارِفِ وأنْواعِ الفَيُوضاتِ، ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِهِمْ لِلْغَيْرِ بَعْدَ كَمالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ القَوْمُ أنَّ العَذابَ الأدْنى الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا، والعَذابَ الأكْبَرَ العَذابُ عَلى ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوَّلُ التَّعَبُ في طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي شَتاتُ السِّرِّ، وقِيلَ: الأوَّلُ حِرْمانُ المَعْرِفَةِ، والثّانِي الِاحْتِجابُ عَنْ مُشاهَدَةِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الهَوانُ والثّانِي الخِذْلانُ، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرْشِدُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ، وهو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ العِباداتِ، وأنْواعِ البَلِيّاتِ، وحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ مَلاذِّ الشَّهَواتِ، والإيقانُ بِالآياتِ، فَمَن يَدَّعِي الإرْشادَ وهو غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِما ذُكِرَ فَهو ضالٌّ مُضَلَّلٌ، ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنِ المُنْكِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالعارِفِينَ، والسّالِكِينَ إذا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمُ الإرْشادُ والنَّصِيحَةُ، وإلى أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، فَإنَّ الإنْكارَ الَّذِي لا يُعْذَرُ صاحِبُهُ سُمٌّ قاتِلٌ وسَهْمٌ هَدَفُهُ المُقاتِلُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.
{"ayah":"فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











