الباحث القرآني
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فَصَلَ فِيهِ عَلى عِزَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ وإتْقانُ العَمَلِ، وتَمْهِيدُ قاعِدَةِ التَّوْحِيدِ وتَقْرِيرُهُ وإبْطالُ أمْرِ الإشْراكِ، وتَبْكِيتُ أهْلِهِ، والعَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ كَأهَبٍ جَمْعُ إهابٍ، وهو ما يُعْمَدُ بِهِ أيْ يُسْنَدُ، يُقالُ عَمَّدْتُ الحائِطَ إذا دَعَّمْتَهُ، أيْ خَلَقَها بِغَيْرِ دَعائِمَ عَلى أنَّ الجَمْعَ لِتَعَدُّدِ السَّماواتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ اسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ: ما الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ؟ فَهو مَسُوقٌ لِإثْباتِ كَوْنِها بِلا عَمَدٍ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ لَها عَمَدٌ رُؤِيَتْ، فالجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلسَّماواتِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ لا عِلْمِيَّةٌ، حَتّى يَلْزَمَ حَذْفُ أحَدِ مَفْعُولَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِعَمَدٍ، فالضَّمِيرُ لَها، أيْ خَلَقَها بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ عَلى التَّقْيِيدِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّهُ تَعالى عَمَّدَها بِعَمَدٍ لا تُرى، وهي عَمَدُ القُدْرَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَوْنُ عِمادِها في كُلِّ عَصْرٍ الإنْسانَ الكامِلَ في ذَلِكَ العَصْرِ، ولِذا إذا انْقَطَعَ الإنْسانُ الكامِلُ وذَلِكَ عِنْدَ انْقِطاعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ تُطْوى السَّماواتُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، كَلامٌ لا عِمادَ لَهُ مِن كِتابٍ، أوْ سُنَّةٍ، فِيما نَعْلَمُ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ بَيانٌ لِصُنْعِهِ تَعالى البَدِيعِ في قَرارِ الأرْضِ إثْرَ بَيانِ صُنْعِهِ عَزَّ وجَلَّ الحَكِيمِ في قَرارِ السَّماواتِ، أيْ ألْقى فِيها جِبالًا شَوامِخَ، أوْ ثَوابِتَ كَراهَةَ ﴿أنْ تَمِيدَ﴾ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ أيْ تَضْطَرِبَ، ﴿بِكُمْ﴾ لَوْ لَمْ يُلْقِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها رَواسِيَ لِما أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ خَلْقَها عَلى حالٍ لَوْ خَلَتْ مَعَهُ عَنِ الجِبالِ لَمادَتْ بِالمِياهِ المُحِيطَةِ بِها الغامِرَةِ لِأكْثَرِها، والرِّياحِ العَواصِفِ الَّتِي تَقْتَضِي الحِكْمَةُ هُبُوبَها، أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَدُّ مِنهُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْها، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ أنَّهُ يَلْزَمُ بِناءً عَلى كُرَيَّةِ الأرْضِ ووُجُوبِ انْطِباقِ مَرْكَزِ ثِقَلِها عَلى مَرْكَزِ العالَمِ حَرَكَتُها مَعَ ما فِيها مِن الجِبالِ بِسَبَبِ حَرَكَةٍ ثَقِيلَةٍ مِن جانِبٍ مِنها إلى آخَرَ، لِتَغَيُّرِ مَرْكَزِ الثِّقَلِ حِينَئِذٍ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، لِكَوْنِ الأثْقالِ المُتَحَرِّكَةِ عَلَيْها كَلا شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها مَعَ ما فِيها، ولَعَلَّ مَن يَعُدُّ حَرَكَةَ الثَّقِيلِ عَلَيْها مِن أسْبابِ المَيْدِ، لَوْ خَلَتْ مِنَ الجِبالِ يَقُولُ: لا يَبْعُدُ حَرَكَةُ ثَقِيلٍ عَلَيْها كَماءٍ جَرى مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، فاجْتَمَعَ حَتّى صارَ بَحْرًا عَظِيمًا مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مِمّا تَنْقُلُهُ الأهْوِيَةُ مِنَ الرِّمالِ الكَثِيرَةِ والتُّرابِ، يَكُونُ لَهُ مِقْدارٌ يُعْتَدُّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ خالِيَةً مِنَ الجِبالِ، فَتَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ إلى خِلافِ جِهَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المَيْدَ لَوْلا الرَّواسِي بِنَحْوِ المِياهِ والرِّياحِ مُتَصَوَّرٌ (p-82)عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الأرْضِ كُرِّيَّةً كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الغَزالِيُّ، وكَذا ذَهَبَ إلى كُرِّيَّةِ السَّماءِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِيهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفَلاسِفَةِ مُسْتَدِلِّينَ عَلَيْهِ بِما في التَّذْكِرَةِ وشُرُوحِها وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الحِسُّ والحَدْسُ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها غَيْرَ كَرَوِيَّةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ، واخْتَلَفُوا في شَكْلِها عَلَيْهِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ، ولا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى انْحِصارِ حِكْمَةِ إلْقاءِ الرَّواسِي فِيها بِسَلامَتِها عَنِ المَيْدِ، فَإنَّ لِذَلِكَ حِكَمًا لا تُحْصى.
وكَذا لا دِلالَةَ فِيها عَلى عَدَمِ حَرَكَتِها عَلى الِاسْتِدارَةِ دائِمًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ فِيثاغُورْسَ، ووَراءَهُ مَذاهِبُ أظْهَرُ بُطْلانًا مِنهُ. نَعَمِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ﴿وبَثَّ فِيها﴾ أيْ أوْجَدَ، وأظْهَرَ، وأصْلُ البَثِّ الإثارَةُ والتَّفْرِيقُ ومِنهُ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقِعَةُ: 6]، ( و﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ) [القارِعَةُ: 4]، وفي تَأْخِيرِهِ إشارَةٌ إلى تَوَقُّفِهِ عَلى إزالَةِ المَيْدِ، ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها، ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ ماءً هو المَطَرُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وجُوِّزَ تَفْسِيرُها بِالمِظَلَّةِ، وكَوْنُ الإنْزالِ مِنها بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وتَرْكُ التَّأْوِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، إلّا إذا وُجِدَ مِنَ الأدِلَّةِ ما يَضْطَرُّنا إلَيْهِ، لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُشاهَدِ، ﴿فَأنْبَتْنا فِيها﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الماءِ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ صِنْفٍ ﴿كَرِيمٍ﴾ أيْ شَرِيفٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ، والِالتِفاتُ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ في الفِعْلَيْنِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِما لِتَكَرُّرِهِما مَعَ ما فِيهِما مِنَ اسْتِقامَةِ حالِ الحَيَوانِ، وعِمارَةِ الأرْضِ ما لا يَخْفى.
{"ayah":"خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِی ٱلۡأَرۡضِ رَوَ ٰسِیَ أَن تَمِیدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِیهَا مِن كُلِّ دَاۤبَّةࣲۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ زَوۡجࣲ كَرِیمٍ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











