الباحث القرآني

﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ اِرْتَدُّوا وكانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأتَوْا مَكَّةَ كُفّارًا، مِنهُمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، والإسْلامُ قِيلَ: التَّوْحِيدُ والِانْقِيادُ، وقِيلَ: شَرِيعَةُ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وقَبُولُ الشَّيْءِ هو الرِّضا بِهِ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ، وانْتِصابُ (دِينًا) عَلى التَّمْيِيزِ مِن (غَيْرَ) وهي مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دِينًا) مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) و(غَيْرَ) صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِادِّغامُ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ كَسْرَةَ الغَيْنِ الأُولى تَدُلُّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ. ﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ 85 ] إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإمّا في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، و﴿فِي الآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالخاسِرِينَ عَلى (p-216)أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ هي حَرْفُ تَعْرِيفٍ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، وقِيلَ: أصْلُ الخُسْرانِ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَضْيِيعُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُشارِ إلَيْها في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ وظُهُورُهُ بِتَحَقُّقِ ضِدِّهِ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِخاسِرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولِذا تُرِكَ مَفْعُولُهُ، والمَعْنى وهو مِن جُمْلَةِ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ، واللّازِمُ باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُبايِنُ دِينَ الإسْلامِ والإيمانِ، وإنْ كانَ ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ لَكِنَّهُ لا يُغايِرُ دِينَ الإسْلامِ بَلْ هو هو بِحَسَبِ الذّاتِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُغايَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والثّانِيَةُ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب