الباحث القرآني

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى (p-199)إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ. ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [ 69 ] أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب