الباحث القرآني

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ. و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ: (p-191)خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ. ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ. ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [ 62 ] أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب