الباحث القرآني

﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿جاءَكَ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ. (فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ (p-188)التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ ﷺ وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ ﷺ جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ. ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [ 61 ] أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“». وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ أنَّهم صالَحُوهُ عَلى أنْ يُعْطُوهُ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ وثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا. وأخْرَجَ في «اَلدَّلائِلِ» أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِما، قالا: أسْلَمْنا، قالَ: ما أسْلَمْتُما، قالا: بَلى قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا، ونَزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ، قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ونَزَلَ ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واَللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ أنَّهُ لِاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، فَإنْ أنْتُمْ لَنْ تَتْبَعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ»». وعَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرُ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ“،» وعَنْ جابِرٍ: «”واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا“،» ورُوِيَ «أنَّ أُسْقُفَ نَجْرانَ «لَما رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا ومَعَهُ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ: يا مَعْشَرَ (p-189)النَّصارى: إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا وتَهْلَكُوا»». هَذا وإنَّما ضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّفْسِ الأبْناءَ والنِّساءَ مَعَ أنَّ القَصْدَ مِنَ المُباهَلَةِ تَبَيُّنُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ وهو يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُباهِلُهُ لِأنَّ ذَلِكَ أتَمَّ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، وأكْمَلَ نِكايَةً بِالعَدُوِّ وأوْفَرَ إضْرارًا بِهِ لَوْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ. وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وإلّا لَما اِمْتَنَعُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ، ودَلالَتُها عَلى فَضْلِ آلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ مِمّا لا يَمْتَرِي فِيها مُؤْمِنٌ، والنَّصْبُ جازِمُ الإيمانِ. واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى أوْلَوِيَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِناءً عَلى رِوايَةِ مَجِيءِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووَجْهِ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ بِأبْنائِنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ وبِنِسائِنا فاطِمَةُ وبِأنْفُسِنا الأمِيرُ وإذا صارَ نَفْسَ الرَّسُولِ، وظاهِرٌ أنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مُسْتَحِيلٌ تَعَيُّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُساواةَ، ومَن كانَ مُساوِيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِهِ، ولا مَعْنى لِلْخَلِيفَةِ إلّا ذَلِكَ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، أمّا أوَّلًا: فَبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، بَلِ المُرادُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ، ويُجْعَلُ الأمِيرُ داخِلًا في الأبْناءِ، وفي العُرْفِ يُعَدُّ الخَتَنُ اِبْنًا مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، ويُلْتَزَمُ عُمُومُ المَجازِ إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَ الِابْنِ عَلى اِبْنِ البِنْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُجازٌ لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ، وكانَ إطْلاقُهُ عَلى الأمِيرِ وابْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى حَدٍّ سَواءٍ في المَجازِيَّةِ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِهِمْ إنَّ إرادَةَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ مِن ”أنْفُسَنا“ لا تَجُوزُ لِوُجُودِ (نَدْعُ) والشَّخْصُ لا يَدْعُو نَفْسَهُ هَذَيانًا مِنَ القَوْلِ، إذْ قَدْ شاعَ وذاعَ في القَدِيمِ والحَدِيثِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى كَذا، ودَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا، وطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وأمَرْتُ نَفْسِي وشاوَرْتُها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ الصَّحِيحَةِ الواقِعَةِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَيَكُونُ حاصِلُ (نَدْعُ أنْفُسَنا) نُحْضِرُ أنْفُسَنا، وأيُّ مَحْذُورٍ في ذَلِكَ عَلى أنّا لَوْ قَرَّرْنا الأمِيرَ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمِصْداقُ أنْفُسِنا فَمَن نُقَرِّرُهُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ مَعَ أنَّهم مُشْتَرِكُونَ في صِيغَةِ (نَدْعُ) إذْ لا مَعْنى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم وأبْناءَهم ونِساءَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا﴾ كَما لا يَخْفى. وأمّا ثانِيًا: فَبِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْسِ ذاتُ الشَّخْصِ إذْ قَدْ جاءَ لَفْظُ النَّفْسِ بِمَعْنى القَرِيبِ والشَّرِيكِ في الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾، ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فَلَعَلَّهُ لَمّا كانَ لِلْأمِيرِ اِتِّصالٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ في النَّسَبِ والمُصاهَرَةِ واتِّحادٌ في الدِّينِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْسِ، وحِينَئِذٍ لا تَلْزَمُ المُساواةُ الَّتِي هي عِمادُ اِسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مُساواتَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في النُّبُوَّةِ والخاتَمِيَّةِ والبَعْثَةِ إلى كافَّةِ الخَلْقِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّ التّابِعَ دُونَ المَتْبُوعِ، ولَوْ كانَ المُرادُ المُساواةَ في البَعْضِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ لِأنَّ المُساواةَ في بَعْضِ صِفاتِ الأفْضَلِ والأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا تَجْعَلُ مَن هي لَهُ أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِالضَّرُورَةِ، وأمّا ثالِثًا: فَبِأنَّ ذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَما زَعَمُوا لَزِمَ كَوْنُ الأمِيرِ إمامًا في زَمَنِهِ ﷺ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإنْ قُيِّدَ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ فَمَعَ أنَّ التَّقْيِيدَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعى إذْ هو غَيْرُ مُتَنازَعٍ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ إمامَتَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا الدَّلِيلُ قائِمًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذا المَطْلَبِ، بَلْ عَدَمُ صِحَّتِهِ كالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِزَعْمِ ثُبُوتِ مُساواتِهِ لِلْأفْضَلِ مِنهم فِيهِ لَمْ يُقِمْهُ مُحَقِّقُو الشِّيعَةِ عَلى أكْثَرَ (p-190)مِن دَعْوى كَوْنِ الأمِيرِ والبَتُولِ والحُسَيْنِ أعِزَّةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ «إظْهارُ الحَقِّ» . وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ﴾ الخ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي“،» وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن دُعائِهِ ﷺ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ المُتَناسِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَدى المُحْدَثِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ»،» وهَذا خِلافُ ما رَواهُ الجُمْهُورُ. واسْتَدَلَّ اِبْنُ أبِي عِلّانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ الحَسَنَيْنِ كانا مُكُلَّفَيْنِ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّ المُباهَلَةَ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ البالِغِينَ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى أنَّها يُشْتَرَطُ فِيها كَمالُ العَقْلِ والتَّمْيِيزُ، وحُصُولُ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فَقَدْ يَحْصُلُ كَمالٌ قَبْلَهُ رُبَّما يَزِيدُ عَلى كَمالِ البالِغِينَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الحَسَنانِ إذْ ذاكَ غَيْرَ بالِغَيْنِ إلّا أنَّهُما في سِنٍّ لا يَمْتَنِعُ مَعَها أنْ يَكُونا كامِلَيِ العَقْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُقَ اللَّهُ تَعالى العاداتِ لِأُولَئِكَ السّاداتِ ويَخُصَّهم بِما لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ صَحَّ أنَّ كَمالَ العَقْلِ غَيْرُ مُعْتادٍ في تِلْكَ السِّنِّ لَجازَ ذَلِكَ فِيهِمْ إبانَةً لَهم عَمَّنْ سِواهم ودَلالَةً عَلى مَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ لا تُحْصى خَصائِصُهم. وذَهَبَ النَّواصِبُ إلى أنَّ المُباهَلَةَ جائِزَةٌ لِإظْهارِ الحَقِّ إلى اليَوْمِ إلّا أنَّهُ يُمْنَعُ فِيها أنْ يَحْضُرَ الأوْلادُ والنِّساءُ، وزَعَمُوا -رَفَعَهُمِ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا- أنَّ ما وقَعَ مِنهُ ﷺ كانَ لِمُجَرَّدِ إلْزامِ الخِصْمِ وتَبْكِيتِهِ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الزَّعْمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، وأثَرٌ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ. ؎ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ إذا اِحْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ ومَن ذَهَبَ إلى جَوازِ المُباهَلَةِ اليَوْمَ عَلى طُرُزِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اِسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى المُباهَلَةِ، وقَرَأ الآيَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فاسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى كَيْفِيَّةِ الِابْتِهالِ وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ فِيهِ، وفِيما أخْرَجَهُ الحاكِمُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وأنَّها تُرْفَعُ حَذْوَ المَناكِبِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب