الباحث القرآني
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأحْكُمُ﴾ وتَفْصِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الجَمْعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ في القِيامَةِ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالعَذابِ المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ؟ وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّأْبِيدُ وعَدَمُ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ مَفْهُومُهُما اللُّغَوِيُّ أيِ الأوَّلُ والآخِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ وهَذا أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ جِدًّا، الثّالِثُ: ما ذَكَرَ صاحِبُ «اَلْكَشْفِ» مِن أنَّ المَرْجِعَ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةُ الفَوْقِيَّةِ لا غايَةُ الجَعْلِ، والرُّجُوعُ مُتَراخٍ عَنِ الجَعْلِ وهو غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلى وزانِ قَوْلِكَ: سَأُعِيرُكَ سُكْنى هَذا البَيْتِ إلى شَهْرٍ ثُمَّ أخْلَعُ عَلَيْكَ بِثَوْبٍ مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ تَأخُّرُ الخَلْعِ عَنِ الإعارَةِ لا الخَلْعِ، وعَلى هَذا تَوْفِيَةُ الأجْرِ لِغُنْمِ الدّارِينَ، ولا يَخْفى أنَّ في لَفْظِ ﴿كُنْتُمْ﴾ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بَعْضُ نُبُوَّةٍ عَنْ هَذا المَعْنى، وأنَّ المَعْنى أحْكَمُ بَيْنِكم في الآخِرَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، الرّابِعُ: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا هو الفَوْقِيَّةُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أضُمُّ إلى عَذابِ الفَوْقِيَّةِ السّابِقَةِ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَ في «اَلْكَشْفِ»: وفِيهِ تَقابَلٌ حَسَنٌ وأنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ مُقَدِّمَةُ عَذابٍ الآخِرَةِ ومُؤَكِّدَتُهُ، وإدْماجُ أنَّها فَوْقِيَّةٌ عَدْلٌ لا تَسَلَّطُ وُجُودٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ جِدًّا إذْ مَعْنى أُعَذِّبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا أنِّي أفْعَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اِتِّخاذَ الكُلِّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِاِتِّخاذِ كُلِّ جُزْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ في الآخِرَةِ تَعْذِيبَ الدّارَيْنِ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ وقَدْ فَعَلَ في الدُّنْيا عَذابَ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَمامُ العَذابَيْنِ في الآخِرَةِ، الخامِسُ: أنَّ (فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدٍ، تَشْدِيدًا لِأمْرِ الشِّدَّةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.
والأوْلى مِن هَذا كُلِّهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُحْمَلَ مَعْنى (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّرَقِّي مِن كَلامٍ إلى آخَرَ لا عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم إلى اللَّهِ تَعالى مُتَأخِّرًا عَنِ الجَعْلِ في الزَّمانِ سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةً لِلْجَعْلِ أوِ الفَوْقِيَّةِ فَلا مَحْذُورَ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إذْلالُهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ وأخْذِ الجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الإذْلالِ فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ وكَفى بِذَلِكَ عَذابًا، وبِالعَذابِ في الآخِرَةِ عِقابُ الأبَدِ في النّارِ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 56 ] أيْ أعْوانٍ يَدْفَعُونَ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الرُّومِ لِمُقابَلَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ أيْ لَيْسَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ. (p-185)
{"ayah":"فَأَمَّا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











