الباحث القرآني

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ، والقَوْلُ شَفاهِيٌّ كَما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، و(إذْ) المُضافَةُ إلى ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ اِشْتِمالٍ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ إذِ الجُمْلَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ اِعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا (p-160)لِما سَبَقَ، وتَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، قالُوا: وتُرِكَ العَطْفُ بِناءً عَلى اِتِّحادِ المُخاطَبِ والمُخاطِبِ وإيذانًا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفَ مَنصُوبًا بِ (اُذْكُرْ) مُقَدَّرًا، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ (يَخْتَصِمُونَ) وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن (إذْ) المُضافَةِ إلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ زَمَنَ الِاخْتِصامِ قَبْلَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ البَدَلِيَّةُ، والتِزامُ أنَّهُ بَدَلٌ غَلَطٌ إذْ لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ الِاخْتِصامُ في بَعْضِهِ والبِشارَةُ في بَعْضٍ آخَرَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما يُقالُ وقَعَ القِتالُ والصُّلْحُ في سَنَةٍ واحِدَةٍ مَعَ أنَّ القِتالَ واقِعٌ في أوَّلِها مَثَلًا والصُّلْحُ في آخِرِها، قِيلَ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مِمّا ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها عَلَيْها السَّلامُ كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها ورَدَتْ عَلَيْها البُشْرى إذْ ذاكَ، وفِيهِ بَعْدٌ بَلِ الآثارُ ناطِقَةٌ بِخِلافِهِ. ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ كَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى مَن أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ بَلْ بِواسِطَةِ كُنْ فَقَطْ عَلى خِلافِ أفْرادِ بَنِي آدَمَ فَكانَ تَأْثِيرُ الكَلِمَةِ في حَقِّهِ أظْهَرَ وأكْمَلَ فَهو كَقَوْلِكَ لِمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ مَثَلًا: مَحْضُ الجُودِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقِيلَ: أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، فَفي «اَلتَّوْراةِ» في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا وتَجَلّى مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، وسِينا جَبَلُ التَّجَلِّي لِمُوسى وساعِيرُ جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ عِيسى يَتَعَبَّدُ فِيهِ وفارانُ جَبَلُ مَكَّةَ، وكانَ مُتَحَنَّثَ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وهَذا كَقَوْلِ مَن يُخْبِرُ بِالأمْرِ إذا خَرَجَ مُوافِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ: قَدْ جاءَ كَلامِي، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ بِمَعْنى البِشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ بِبِشارَةٍ مِنهُ ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ ولَعَلَّهُ يُرَجِّحُ أوَّلَ الأقْوالِ كَما يُرَجِّحُهُ عَدَمُ اِطِّرادِ الأقْوالِ الأُخَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ هُنا مِنَ القِراءاتِ مِثْلُ ما فِيها، فِيما تَقَدَّمَ. ﴿اسْمُهُ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ وذِكْرُهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ و(اسْمُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿المَسِيحُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: (عِيسى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ تَوْكِيدًا بِالمُرادِفِ كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّنُوشَرِيُّ، أوْ خَبَرًا آخَرَ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارٍ أعْنِي مَدْحًا، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ والفِعْلِ، قِيلَ: عَلى سَبِيلِ الجَوازِ ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في النَّعْتِ المَقْطُوعِ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنصُوبًا يُلْتَزَمُ القَوْلُ بِالقَطْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ أوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ عِيسى والمَسِيحَ لَقَبٌ و(ابْنُ) صِفَةٌ، فَكَيْفَ جُعِلَتِ الثَّلاثَةُ خَبَرًا عَنْهُ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالِاسْمِ مَعْناهُ المُصْطَلَحُ وهو العَلَمُ مُطْلَقًا ولَيْسَ هو بِمَعْنًى مُقابِلِ اللَّقَبِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، وأنَّ إضافَتَهُ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ إضافَةَ اِسْمِ الجِنْسِ قَدْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِغْراقُ، وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو السِّمَةُ والعَلامَةُ المُمَيِّزَةُ لا العَلَمُ، (p-161)ولا مانِعَ حِينَئِذٍ مِن جَعْلِ مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ خَبَرًا إذِ التَّمْيِيزُ بِذَلِكَ أشَدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِكُلِّ واحِدٍ فَيَؤُولُ المَعْنى إلى قَوْلِكَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويُمَيَّزُ بِهِ عَمّا سِواهُ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ، وبِهَذا كَما في «اَلِانْتِصافِ»: ((خَلاصٌ مِن إشْكالٍ يُورِدُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿المَسِيحُ﴾ في الآيَةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّسْمِيَةُ وهو الظّاهِرُ فَما مَوْقِعُ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والتَّسْمِيَةُ لا تُوصَفُ بِالنُّبُوَّةِ؟! وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَلْتَئِمْ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اسْمُهُ﴾ ووَجْهُ الخَلاصِ ظاهِرٌ، ولِعَدَمِ ظُهُورِ هَذا التَّوْجِيهِ لِبَعْضِهِمُ اِلْتُزِمَ الخَلاصُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْمُهُ﴾ والمُرادُ التَّسْمِيَةُ، وأمّا ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُسَمّى بِالتَّسْمِيَةِ المَذْكُورَةِ مُنْقَطِعًا عَنْ ”المَسِيحُ“ )). والمَشْهُورُ أنَّ المَسِيحَ لَقَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لَهُ مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالفارُوقِ، وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحا ومَعْناهُ المُبارَكُ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ: الصِّدِّيقُ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: المَلِكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وعَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المَسِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَسْحِ، واخْتَلَفُوا في وجْهِ إطْلاقِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبِرْكَةِ واليُمْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ عَيْنَ الأكْمَهِ فَيُبْصِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ بِيَدِهِ إلّا بَرِئَ، ورَواهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِدُهْنِ زَيْتٍ بُورِكَ فِيهِ، وكانَتِ الأنْبِياءُ تَتَمَسَّحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَهُ بِجَناحَيْهِ وقْتَ الوِلادَةِ لِيَكُونَ عَوْذَةً مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حِينَ مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ظَهْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرّاتِ ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَرُدَّهُ إلى مَقامِهِ كَما فَعَلَ بِباقِي الذَّرّاتِ بَلْ حَفِظَهُ عِنْدَهُ حَتّى ألْقاهُ إلى مَرْيَمَ فَكانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ اِسْمُ المَسِيحِ أيِ المَمْسُوحِ وقِيلَ وقِيلَ. وهَذِهِ الأقْوالُ تُشْعِرُ بِأنَّ اللَّفْظَ عَرَبِيٌّ لا عِبْرِيٌّ، وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى الثّانِي، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَلَيْهِ لا اِشْتِقاقَ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلى الحَقِيقَةِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، وفي «اَلْكَشْفِ»: أنَّ الظّاهِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ لِأنَّهُ عَرَبِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ خَواصِّ كَلامِهِمْ جُعِلَ لَقَبَ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالخَلِيلِ لِإبْراهِيمَ، وجَعْلُهُ مُعْرَبًا ثُمَّ إجْراؤُهُ مَجْرى الصِّفاتِ في إدْخالِ اللّامِ لِأنَّهُ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الوَصْفِ خِلافُ الظّاهِرِ. ومِنَ النّاسِ مَنِ اِدَّعى أنَّ دُخُولَ اللّامِ لا يُنافِي العُجْمَةَ فَإنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والإسْكَنْدَرَ لَمْ تُسْمَعْ إلّا مَقْرُونَةً بِها مَعَ أنَّها أعْجَمِيَّةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أظَهْرِيَّةَ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزاعِ عَرَبِيًّا، نَعَمْ قِيلَ في عِيسى: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيسٌ أيْ بَياضٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ «كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ»، إلّا أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ أنَّهُ لا اِشْتِقاقَ لَهُ، وأنَّ القائِلَ بِهِ كالرّاقِمِ عَلى الماءِ، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في هَذا المَسِيحِ، وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَعَرَبِيٌّ إجْماعًا وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسِحَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، وفَرَّقَ النَّخْعِيُّ بَيْنَ لَقَبِ رُوحِ اللَّهِ وعَدُوِّهِ بِأنَّ الأوَّلَ: بِفَتْحِ المِيمِ والتَّخْفِيفِ، والثّانِي: بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كَشِرِّيرٍ، وأنْكَرَهُ غَيْرُهُ وهو المَعْرُوفُ. ثُمَّ القائِلُونَ بِاللَّقَبِيَّةِ في الآيَةِ وكَوْنِ عِيسى بَدَلًا مَثَلًا خَصَّ الكَثِيرُ مِنهم مَنعَ تَقْدِيمِ اللَّقَبِ عَلى الِاسْمِ بِما إذا لَمْ يَكُنْ أشْهَرَ مِنهُ حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً أمّا إذا كانَ أشْهَرَ كَما هُنا، فَإنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الأنْبارِيِّ ولا يُخْتَصُّ بِغَيْرِ الفَصِيحِ كَما فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ واللَّقَبُ مُفْرَدَيْنِ إضافَةُ الأوَّلِ لِلثّانِي، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» تَعَيُّنُها، وصَنِيعُ سِيبَوَيْهِ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ومَن جَوَّزَ التَّبَعِيَّةَ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِمْ: هَذا يَحْيى عَيْنانِ إذْ لَوْ أُضِيفَ لَقِيلَ عَيْنَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى لُغَةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنّى الألْفَ يَرُدُّهُ أنَّ الرِّوايَةَ بِضَمِّ النُّونِ ولَوْ كانَتِ الرِّوايَةُ بِالكَسْرِ لَأمْكَنَ ذَلِكَ الحَمْلُ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وكَذا (p-162)لَوْ كانَتْ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اللَّقَبُ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ إلّا أنَّ الفَتْحَةَ فِيهِ نائِبَةٌ عَنِ الكَسْرَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُسَمّى بِهِ يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ كَما لا يَنْصَرِفُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما يُثْبِتُهُ هَذا الِاسْتِدْلالُ الوُرُودُ في هَذا الجُزْئِيِّ، وأمّا أنَّهُ يُثْبِتُ الِاطِّرادَ فَلا، ولَعَلَّ المانِعَ إنَّما يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَدَّعِي أنَّ المُطَّرِدَ هو الإضافَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَمْنَعَ مِنها مانِعٌ فَلا تَجُوزُ فِيما إذا قارَنَتْ ألِ الوَضْعَ لِمَنعِها عَنْ ذَلِكَ فَلا يُقالُ: الحَرْثُ كَرَزٍ بِالإضافَةِ، وكَذا إذا كانَ اللَّقَبُ وصْفًا في الأصْلِ نَحْوَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الحاجِبِ في «شَرْحِ المُفَصَّلِ» لِأنَّ المَوْصُوفَ لا يُضافُ إلى صِفَتِهِ في المَشْهُورِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ في العَرَبِيَّةِ ومَعَ هَذا في المَسْألَةِ خِلافُ اِبْنِ هِشامٍ فَإنَّهُ يُجَوِّزُ الإضافَةَ في هَذا القِسْمِ أيْضًا وتَمامُ البَحْثِ في «كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ»، فَلْيُفْهَمْ. وإنَّما قِيلَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَوْ كانَ لَهُ أبٌ لَنُسِبَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ رَدًّا لِلنَّصارى، وأبْعَدُ مَنِ اِدَّعى أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِمَدْحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ اِبْنِ عابِدَةَ، هَذا واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ (ابْنُ) في الآيَةِ يُكْتَبُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بِناءً عَلى وُقُوعِهِ صِفَةً بَيْنَ عَلَمَيْنِ، إذِ القاعِدَةُ أنَّهُ مَتى وقَعَ كَذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ هَمْزَتُهُ بَلْ تُحْذَفُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِ كَذَلِكَ ومَتى تَقَدَّمَهُ عَلَمٌ لَكِنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِ عَلَمٍ كَزَيْدِ اِبْنِ السُّلْطانِ أوْ تَقَدَّمَهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وأُضِيفُ إلى عَلَمٍ كالسُّلْطانِ اِبْنِ زَيْدٍ أوْ وقَعَ بَيْنَ ما لَيْسا عَلَمَيْنِ كَزَيْدٍ العاقِلِ اِبْنِ الأمِيرِ عَمْرٍو كُتِبَتِ الألِفُ ولَمْ تُحْذَفْ في الخَطِّ في جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ، والكُتّابُ كَثِيرًا ما يُخْطِئُونَ في ذَلِكَ فَيَحْذِفُونَ الهَمْزَةَ مِنهُ في الكِتابَةِ أيْنَما وقَعَ، وقَدْ نَصَّ عَلى خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ. ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الرَّسْمَ يُرَجِّحُ التَّبَعِيَّةَ، نَعَمْ في كَوْنِ ذَلِكَ مُطَّرِدًا فِيما إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ عَلَمَ الأُمِّ خِلافٌ، واَلَّذِي أخْتارُهُ الحَذْفُ أيْضًا إذا كانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا. ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الوَجِيهُ ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ فَلا يَرُدُّ لِكَرَمِ وجْهِهِ عِنْدَهُ خِلافَ مَن يَبْذُلُ وجْهَهُ لِلْمَسْألَةِ فَيَرُدُّ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والتَّقَدُّمِ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ بِقَبُولِ شَفاعَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِقَبُولِ دُعائِهِ بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّءًا مِنَ العُيُوبِ الَّتِي اِفْتَراها اليَهُودُ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ ما تَقَدَّمَ، ولَيْسَتِ الوَجاهَةُ بِمَعْنى الهَيْئَةِ والبِزَّةِ لِيُقالَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا مَعَ أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا تَقْدَحُ تِلْكَ المُعامَلَةُ فِيهِ كَما لا تَقْدَحُ عَلى التَّقادِيرِ الأُوَلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ. ونَصْبُ ﴿وجِيهًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ”كَلِمَةٍ“، وسَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنها مَعَ أنَّها نَكِرَةٌ وصْفُها بِما بَعْدَها، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وجُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً لِأنَّ الوَجاهَةَ كانَتْ بَعْدَ البِشارَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الحالَ مِن (عِيسى) وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ وكَذا لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن ﴿المَسِيحُ﴾ أوْ مِن ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لِأنَّها أخْبارٌ، والعامِلُ فِيها الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَعْمَلُ في الحالِ، وكَذا لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في اِسْمِهِ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما ولِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [ 45 ] أيْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَتِهِ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ وهو مَعْطُوفٌ (p-163)عَلى ﴿وجِيهًا﴾ أيْ ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب