الباحث القرآني
﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْكامِ اِصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ في البَيْنِ لِما فِيها مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءَ، و(إذْ) في المَشْهُورِ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وبَيْنَهُما كَمالُ المُناسَبَةِ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ أوَّلًا وبِالذّاتِ لِشَرْحِ حالِ الأُمِّ وهَذِهِ لِشَرْحِ حالِ البِنْتِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ رَئِيسُهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفِ مَعْطُوفًا عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ وناصِبِهِ ناصِبَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ: اُذْكُرْ أيْضًا مِن شَواهِدِ اِصْطِفاءِ أُولَئِكَ الكِرامِ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ أيِ اِخْتارَكِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَطَفَ بِكِ ومَيَّزَكِ عَلى كُلِّ مُحَرَّرٍ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والتَّأْكِيدُ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ كانَ شِفاهًا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ ونَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ لَها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها فِيها غُلامٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفِدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَغارَةِ الَّتِي فِيها الماءُ فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ الآيَةَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْهَمُوها ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ القَوْلِ بِالإلْهامِ وإسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ أصْلًا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّكْلِيمُ مِن بابِ الكَرامَةِ الَّتِي يَمُنُّ بِها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى خَواصِّ عِبادِهِ، ومَن أنْكَرَها زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ إرْهاصٌ وتَأْسِيسٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُورِدُ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإرْهاصَ في المَشْهُورِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ ما يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ كَإظْلالِ الغَمامِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَكَلُّمِ الحَجَرِ مَعَهُ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الخارِقِ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لَكِنْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ لا عَلى يَدِ غَيْرِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ بِالعِنايَةِ؛ وأُورِدُ عَلى الثّانِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مَعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالتَّحَدِّي أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ.
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ مَرْيَمَ لِأنَّ تَكْلِيمَ المَلائِكَةِ يَقْتَضِيها، ومَنَعَهُ اللَّقانِيُّ بِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمُوا مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ إجْماعًا فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا رَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وأخْبَرُوهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِنُبُوَّتِهِ، وادَّعى أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ النُّبُوَّةَ مُجَرَّدُ الوَحْيِ ومُكالَمَةِ المَلَكِ فَقَدْ حادَ عَنِ الصَّوابِ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ اِسْتِنْباءِ النِّساءِ بِالإجْماعِ وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ حِكايَةَ الإجْماعِ في غايَةِ الغَرابَةِ فَإنَّ الخِلافَ في نُبُوَّةِ نِسْوَةٍ كَحَوّاءَ وآسِيَةَ وأُمِّ مُوسى وسارَّةَ وهاجَرَ ومَرْيَمَ مَوْجُودٌ خُصُوصًا مَرْيَمَ فَإنَّ القَوْلَ بِنُبُوَّتِها شَهِيرٌ، بَلْ مالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في «اَلْحَلَبِيّاتِ»، وابْنُ السَّيِّدِ إلى تَرْجِيحِهِ، وذَكَرَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ الأنْبِياءِ في سُورَتِهِمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ لِذَلِكَ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لا يَصِحُّ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الإرْسالُ وهو أخَصُّ مِنَ الِاسْتِنْباءِ عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ، فافْهَمْ.
﴿وطَهَّرَكِ﴾ أيْ مِنَ الأدْناسِ والأقْذارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنِّساءِ (p-155)مِثْلَ الحَيْضِ والنِّفاسِ حَتّى صِرْتِ صالِحَةً لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ طَهَّرَكِ بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ وبِالطّاعَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: نَزَّهَكِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ طَهَّرَكِ مِنَ الأقْذارِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ [ 42 ] يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ وهو ما كانَ آخِرًا مِن هِبَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَها مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، وجَعَلَها وإيّاهُ آيَةً لِلْعالِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اِصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذَكُّرِ ولَهُ نَظائِرُ قَدْ مَرَّ بَعْضُها، وعَلى الثّانِي لا إشْكالَ في التَّرْتِيبِ وتَكُونُ حِكْمَةُ تَقَدُّمِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى البِشارَةِ الإشارَةَ إلى كَوْنِها عَلَيْها السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها بِما هي عَلَيْهِ مِنَ التَّبَتُّلِ والِانْقِيادِ حَسَبَ الأمْرِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، كَما قالَ الإمامُ لِما أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ.
والمُرادُ مِن نِساءِ العالَمِينَ قِيلَ: جَمِيعُ النِّساءِ في سائِرِ الأعْصارِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّتِها عَلى فاطِمَةَ وخَدِيجَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في أحَدِ الطُّرُقِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ اِمْرَأةُ فِرْعَوْنَ ”،» وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحَناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ وأرْعاهُ عَلى بَعْلٍ في ذاتِ يَدِهِ ولَوْ عَلِمْتُ أنَّ مَرْيَمَ اِبْنَةَ عِمْرانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا ما فَضَّلْتُ عَلَيْها أحَدًا»، وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا مَرْيَمَ البَتُولَ ”».
وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ عالَمِها فَلا يَلْزَمُ مِنهُ أفْضَلِيَّتُها عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتُ عالَمِهِنَّ، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ ”،» وما رَواهُ الحَرْثُ بْنُ أُسامَةَ في «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ «“مَرْيَمُ خَيْرُ نِساءِ عالَمِها» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو المَشْهُورُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ.
واَلَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ فاطِمَةَ البَتُولَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ مِن حَيْثُ إنَّها بِضْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ ومِن حَيْثِيّاتٍ أُخَرَ أيْضًا، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الأخْبارُ السّابِقَةُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِها أفْضَلِيَّةُ غَيْرِها عَلَيْها مِن بَعْضِ الجِهاتِ وبِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الآثارِ وهَذا سائِغٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا إذِ البِضْعِيَّةُ مِن رُوحِ الوُجُودِ وسَيِّدُ كُلِّ مَوْجُودٍ لا أراها تُقابَلُ بِشَيْءٍ.
؎وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ
ومِن هُنا يُعْلَمُ أفْضَلِيَّتُها عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الذّاهِبُ إلى خِلافِها الكَثِيرُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”خُذُوا ثُلْثَيْ دِينِكم عَنِ الحُمَيْراءِ“،» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ: «”فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ“،» وبِأنَّ عائِشَةَ يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ مَعَ زَوْجِها رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفاطِمَةُ يَوْمَئِذٍ فِيها مَعَ زَوْجِها عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَقامِ النَّبِيِّ ﷺ ومَقامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما في هَذا الِاسْتِدْلالِ وأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أفْضَلِيَّةِ الحُمَيْراءِ عَلى الزَّهْراءِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ (p-156)قُصارى ما في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إثْباتُ أنَّها عالِمَةٌ إلى حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنها ثُلْثا الدِّينِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ العِلْمِ المُماثِلِ لِعِلْمِها عَنْ بِضْعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِعِلْمِهِ ﷺ أنَّها لا تَبْقى بَعْدَهُ زَمَنًا مُعْتَدًّا بِهِ يُمْكِنُ أخْذُ الدِّينِ مِنها فِيهِ لَمْ يَقُلْ فِيها ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمَ لَرُبَّما قالَ: خُذُوا كُلَّ دِينِكم عَنِ الزَّهْراءِ، وعَدَمُ هَذا القَوْلِ في حَقِّ مَن دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى عِلْمِهِ لا يَدُلُّ عَلى مَفْضُولِيَّتِهِ وإلّا لَكانَتْ عائِشَةُ أفْضَلَ مِن أبِيها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ في الدِّينِ إلّا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ لُبْثِهِ وكَثْرَةِ غائِلَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي لا يَفْتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلى الحَوْضِ“،» يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الخَبَرِ وزِيادَةً، كَما لا يَخْفى كَيْفَ لا وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَيِّدَةُ تِلْكَ العِتْرَةِ؟!.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الحَدِيثَ الثّانِيَ مَعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ غَيْرِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلَيْها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“،» بَلْ هَذا الحَدِيثُ أظْهَرُ في الأفْضَلِيَّةِ وأكْمَلُ في المَدْحِ عِنْدَ مَنِ اِنْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَيْنُ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ لِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ وإنْ كانَ ظاهِرًا في الأفْضَلِيَّةِ لَكِنَّهُ قِيلَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ: إنَّ ألْ في النِّساءِ فِيهِ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِها الأزْواجُ الطّاهِراتُ المَوْجُوداتُ حِينَ الإخْبارِ ولَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ في هَذا الحَدِيثِ.
وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ الدَّلِيلَ الثّالِثَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ سائِرُ زَوْجاتِ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ مَقامَهم بِلا رَيْبٍ لَيْسَ كَمَقامِ صاحِبِ المَقامِ المَحْمُودِ ﷺ فَلَوْ كانَتِ الشَّرِكَةُ في المَنزِلِ مُسْتَدْعِيَةً لِلْأفْضَلِيَّةِ لَزِمَ ذَلِكَ قَطْعًا ولا قائِلَ بِهِ.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الَّذِي يَدُورُ في خَلَدِي أنَّ أفْضَلَ النِّساءِ فاطِمَةُ ثُمَّ أُمُّها ثُمَّ عائِشَةُ، بَلْ لَوْ قالَ قائِلٌ إنَّ سائِرَ بَناتِ النَّبِيِّ ﷺ أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لا أرى عَلَيْهِ بَأْسًا؛ وعِنْدِي بَيْنَ مَرْيَمَ وفاطِمَةَ تَوَقُّفٌ نَظَرًا لِلْأفْضَلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى الحَيْثِيَّةِ فَقَدْ عَلِمْتَ ما أمِيلُ إلَيْهِ، وقَدْ سُئِلَ الإمامُ السُّبْكِيُّ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: الَّذِي نَخْتارُهُ ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أفْضَلُ ثُمَّ أُمَّها ثُمَّ عائِشَةَ، ووافَقَهُ في ذَلِكَ البُلْقَيْنِيُّ وقَدْ صَحَّحَ اِبْنُ العِمادِ أنَّ خَدِيجَةَ أيْضًا أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ حِينَ قالَتْ: «”قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، فَقالَ لَها: لا واَللَّهِ ما رَزَقَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النّاسُ وأعْطَتْنِي مالَها حِينَ حَرَمَنِي النّاسُ“،» وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ عائِشَةَ أقْرَأها السَّلامَ النَّبِيُّ ﷺ مِن جِبْرِيلَ، وخَدِيجَةَ أقْرَأها السَّلامَ جِبْرِيلُ مِن رَبِّها، وبَعْضُهم لَمّا رَأى تَعارُضَ الأدِلَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَوَقَّفَ فِيها وإلى التَّوَقُّفِ مالَ القاضِي أبُو جَعْفَرٍ الأسْتَرُوشَنِيُّ مِنّا، وذَهَبَ اِبْنُ جَماعَةَ إلى أنَّهُ المَذْهَبُ الأسْلَمُ.
وأشْكَلُ ما في هَذا البابِ حَدِيثُ الثَّرِيدِ ولَعَلَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِخِلافِهِ تُهَوِّنُ تَأْوِيلَهُ، وتَأْوِيلُ واحِدٍ لِكَثِيرٍ أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ كَثِيرٍ لِواحِدٍ، واَللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
{"ayah":"وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَـٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَاۤءِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











