الباحث القرآني
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.
﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ:
؎وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى.
؎أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في (p-173)الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ بِفَضْلِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّزُلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، وعَلَيْهِ تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وهو كَما تَرى، نَعَمْ فِيهِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ ضُيُوفُ اللَّهِ تَعالى وفي ذَلِكَ كَمالُ اللُّطْفِ بِهِمْ.
﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ (198) مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ لِقِلَّتِهِ وزَوالِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِمّا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّ فِيهِ إيذانًا بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ والقُرْبِ الَّذِي لا يُوازِيهِ شَيْءٌ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، و﴿لِلأبْرارِ﴾ صِفَةُ (خَيْرٌ) .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لِلْأبْرارِ) خَبَرًا، والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ أيْ والَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأبْرارِ، و(خَيْرٌ) عَلى هَذا خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ (لِلْأبْرارِ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، و(خَيْرٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِحالٍ لِغَيْرِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِ الحالِ غَيْرُ المُبْتَدَأِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الِاخْتِيارِ.
{"ayah":"لَـٰكِنِ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا نُزُلࣰا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ لِّلۡأَبۡرَارِ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











