الباحث القرآني

﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ وإقامَةُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، وأتى بِكَلِمَةِ إنَّ اعْتِناءً بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: إنَّ في إيجادِهِما وإنْشائِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ تَعاقُبُها ومَجِيءُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفَ الآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعِينَ لِسِباحَتِها في بَحْرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ حَسَبَ إرادَتِهِ، وخَبَرُ الخَرَزَتَيْنِ خارِجٌ عَنْ سِلْكِ القَبُولِ وبِفَرْضِ نَظْمِهِ فِيهِ مُؤَوَّلٌ، وثُقْبُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ تابِعًا لِحَرَكَةِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ - كَما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ - مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ مِن سُكُونِ السَّمَواتِ وتَحَرُّكِ النُّجُومِ أنْفُسِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هو مَذْهَبُ الحُكَماءِ المَشْهُورُ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما يُخالِفُهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذِهِ السَّمَواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها نُجُومًا تَسْبَحُ بِها وجَعَلَ لَها في سِباحَتِها حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها تَسِيرُ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ بِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، وجَعَلَ أصْحابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِلْأفْلاكِ تَرْتِيبًا مُمْكِنًا في حُكْمِ العَقْلِ، وجَعَلُوا الكَواكِبَ في الأفْلاكِ كالشّاماتِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ، وكُلُّ ما قالُوهُ يُعْطِيهِ مِيزانَ حَرَكاتِها، وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرُوهُ لَكانَ السَّيْرُ السَّيْرَ بِعَيْنِهِ، ولِذَلِكَ يُصِيبُونَ في عِلْمِ الكُسُوفاتِ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ السَّمَواتِ كالأُكُرِ وأنَّ الأرْضَ في جَوْفِها، وذَلِكَ كُلُّهُ تَرْتِيبٌ وضْعِيٌّ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ وهم مُصِيبُونَ في الأوْزانِ مُخْطِئُونَ في أنَّ الأمْرَ كَما رَتَّبُوهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا عَلى ما ذَكَرْناهُ شُهُودًا انْتَهى. ويُؤَيِّدُ دَعْوى أنَّهُ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الزِّيجِ الجَدِيدِ مِن أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ لا تَتَحَرَّكُ أصْلًا وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وأنَّ الأرْضَ وكَذا سائِرُ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ تَتَحَرَّكُ عَلَيْها، وأقامُوا عَلى ذَلِكَ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ (p-156)بِزَعْمِهِمْ، وبَنَوْا عَلَيْهِ الكُسُوفَ والخُسُوفَ ونَحْوَهُما، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا قَطْعَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الهَيْئَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن قُطْبِ الشَّمالِ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولِيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرَيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا، وفي بَعْضِها صَباحًا، وفي بَعْضِها ظُهْرًا أوْ عَصْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أيْضًا - ولَيْسَ بِالبَعِيدِ - بَلِ اخْتِلافُ الأوْقاتِ في الأماكِنِ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في كُرَيَّةِ الأرْضَ اخْتِلافًا، فَقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ خَلَقَ الفَلَكَ المُكَوْكَبَ في جَوْفِ الفَلَكِ الأطْلَسِ خَلَقَ الأرْضَ سَبْعَ طَبَقاتٍ، وجَعَلَ كُلَّ أرْضٍ أصْغَرَ مِنَ الأُخْرى لِيَكُونَ عَلى كُلِّ أرْضٍ قُبَّةُ سَماءٍ، فَلَمّا تَمَّ خَلْقُها وقُدِّرَ فِيها أقْواتُها واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ البُخارِ الَّذِي هو الدُّخانُ فَتَقَ ذَلِكَ الدُّخانُ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقًا وأجْسامًا شَفّافَةً، وجَعَلَها عَلى الأرَضِينَ كالقِبابِ عَلى كُلِّ أرْضٍ سَماءٌ أطْرافُها عَلَيْها نِصْفُ كُرَةٍ، وكُرَةُ الأرْضِ لَها كالبِساطِ فَهي مَدْحِيَّةٌ دَحاها مِن أجْلِ السَّماءِ أنْ تَكُونَ عَلَيْها، وجَعَلَ في كُلِّ سَماءٍ مِن هَذِهِ واحِدَةً مِنَ الجَوارِي عَلى التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ انْتَهى، والقَلْبُ يَمِيلُ إلى الكُرَيَّةِ، واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أمْرٌ شُهُودِيٌّ وفِيهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَدِّثِينَ، وأكْثَرُ عُلَماءِ الدِّينِ. والَّذِي قَطَعَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَرْفُوعَةِ ما يُفَصِّلُ أمْرَ السَّمَواتِ والأرْضِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ، إذْ لَيْسَتِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ في نَظَرِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُهِمُّ في نَظَرِهِ مِنها واضِحٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وسُبْحانَ مَن لا يَتَعاصى قُدْرَتَهُ شَيْءٌ، واللَّيْلُ واحِدٌ بِمَعْنى جَمْعٍ وواحِدُهُ لَيْلَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وقَدْ جُمِعَ عَلى لَيالٍ فَزادُوا فِيها الياءَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ونَظِيرُهُ أهْلٍ وأهالٍ، ويُقالُ: كانَ الأصْلُ فِيها لَيْلاةً فَحُذِفَتْ لِأنَّ تَصْغِيرَها لُيَيْلِيَةٌ كَذا في الصِّحاحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي. ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَلى وحْدَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو اسْمُ إنَّ وقَدْ دَخَلَهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الآياتِ الظّاهِرَةَ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً في نَفْسِها إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ في جَنْبِ ما خَفِيَ مِنها في خَزائِنِ العِلْمِ ومَكامِنِ الغَيْبِ ولَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ، ومِنهُ خَبَرُ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنِّي بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمُ الرَّحِمَ وطَعْنِهِمْ في ألْبابِ الإبِلِ»“ أيْ خالِصِ إبِلِهِمْ وكَرائِمِها، ويُقالُ: لَبَّ يَلَبُّ كَعَضَّ يَعَضُّ إذا صارَ لَبِيبًا وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: لَبَّ يَلِبُّ كَفَرَّ يَفِرُّ، ويُقالُ: لَبِبَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ يَلَبُّ بِالفَتْحِ إذا صارَ ذا لُبٍّ، وحُكِيَ لَبُبَ بِالضَّمِّ وهو نادِرٌ لا نَظِيرَ لَهُ في المُضاعَفِ. ووَجْهُ دَلالَةِ المَذْكُوراتِ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لِتَغَيُّرِها المُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِها واسْتِنادِها إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، ومَتى دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ مِنهُ الوَحْدَةُ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى ما بَعْدُ أنَّها في غايَةِ الإتْقانِ ونِهايَةِ الإحْكامِ (p-157)لِمَن تَأمَّلَ فِيها، وتَفَكَّرَ في ظاهِرِها وخافِيها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ كَما لا يَخْفى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما طَرِيقُ التَّغَيُّرِ، والثّانِي طَرِيقُ الإمْكانِ، والأكْثَرُونَ عَلى تَرْجِيحٍ الثّانِي، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ. وإنَّما اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ هُنا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ ما زادَهُ في البَقَرَةِ لِأنَّ الآياتِ عَلى كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ والمُرَكَّبَةِ مِنهُما، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِخَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وإلى الثّالِثَةِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُما مِن دَوَرانِ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ، أوْ لِأنَّهُما بِواسِطَةِ مُفِيضٍ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وهو الجِرْمُ العُلْوِيُّ، وقابِلٌ لِلْإفاضَةِ وهو الجِرْمُ السُّفْلِيُّ القابِلُ لِلظُّلْمَةِ والضِّياءِ قالَهُ بَعْضُهم، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَعَرِّضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها، أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ في إثْباتِ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، فَلا يُناسِبُ تَخْرِيجَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ولَعَلَّ الأوْلى مِن هَذا وذاكَ ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ، والثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ مُعْظَمُ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ فاكْتَفى بِها، وأمّا هُناكَ فَقَدْ قَصَدَ في ضِمْنِ بَيانٍ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانَ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِّمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المَذْكُوراتِ مُعْظَمَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟ قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟ قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ عَطاءٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَتْ: وأيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا ؟! إنَّهُ أتانِي لَيْلَةً فَدَخَلَ مَعِي في لِحافِي ثُمَّ قالَ ذَرِينِي أتَعَبَّدُ لِرَبِّي، فَقامَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَبَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ عَلى صَدْرِهِ ثُمَّ رَكَعَ فَبَكى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ بِلالٌ فَأذَّنَهُ بِالصَّلاةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يُبْكِيكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ؟ قالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ولِمَ لا أفْعَلُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ تَسَوَّكَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الأواخِرَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَ» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب