الباحث القرآني

( ﴿بَلى﴾ ) إيجابٌ لِما بَعْدَ ( لَنْ ) أيْ بَلى ( يَكْفِيكم ) ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ الزِّيادَةَ بِالشَّرْطِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى مَضَضِ الجِهادِ وما أُمِرْتُمْ بِهِ ( ﴿وتَتَّقُوا﴾ ) رَبَّكم بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ لَهُ ( ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ أوْ أصْحابُ كُرْزٍ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ. (p-45)﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أصْلُ الفَوْرِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها ومِنهُ أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَوْرِ جَهَنَّمَ، ويُطْلَقُ عَلى الغَضَبِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ فَوْرَ القِدْرِ وعَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى ويَأْتُوكم في الحالِ، ووُصِفَ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيبِ ونَظْمِ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ ومَدارَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ أسْرَعُوا أوْ أبْطَأُوا إيذانًا بِتَحَقُّقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً، فَمَتى عُلِّقَ بِهِ تَحَقَّقَ الإمْدادُ مَعَ مُنافاتِهِ لَهُ أفادَ تَحَقُّقَهُ لا مَحالَةَ مَعَ ما هو غَيْرُ مُنافٍ لَهُ كَذا قِيلَ، ورُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإمْدادَ المُرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ وقَعَ لَهم وفي ذَلِكَ تَرْدِيدٌ وتَرَدُّدٌ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنْ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ ولا بِمِلْكِ واحِدٍ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ؛ ولِذا وقَعَتِ الهَزِيمَةُ، وإنْ كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ كَما هو المُعْتَمِدُ فَقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في أنَّهم أُمِدُّوا بِهَذِهِ الخَمْسَةِ الآلافِ أوْ لا، فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهم أُمِدُّوا بِغَيْرِها ولَمْ يُمَدُّوا بِها بِناءً عَلى تَعْلِيقِ الإمْدادِ بِها بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الصَّبْرُ والتَّقْوى وإيتاءُ أصْحابِ كُرْزٍ، وقَدْ فُقِدَ الأمْرُ الثّالِثُ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا، فَلَمْ يُوجَدِ المَجْمُوعُ لِانْعِدامِهِ بِانْعِدامِ بَعْضِ أجْزائِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإمْدادُ المَذْكُورُ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، نَعَمْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى خِلافِهِ، ولَعَلَّهُ مَبْنى صاحِبِ القِيلِ، لَكِنْ يَبْقى أنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِما فُسِّرَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا في كَلامِ السَّلَفِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ أنَّهُ بِمَعْنى الغَضَبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَأْتُوكم بِسَبَبِ غَضَبِهِمْ عَلَيْكم، والإشارَةُ إمّا لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الغَضَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدٌ ومُتَمَكِّنٌ في القُلُوبِ، وإمّا لِتَحْقِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ والطَّرِيقِ المَحْمُودِ، فَإنَّهُ إنَّما كانَ عَلى مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ لَهم في الدِّينِ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ وذَمِّ آلِهَتِهِمْ، أوْ عَلى ما أوْقَعُوا فِيهِمْ وحَطَّمُوا رُءُوسَ رُؤَسائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ في أُحُدٍ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَفْسِيرِهِ بِالسَّفَرِ أيْ ويَأْتُوكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ أيْضًا عَلى ما بُنِيَ عَلَيْهِ سابِقُهُ؛ «لِأنَّ الكُفّارَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ نَدِمُوا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْبُرُوا عَلى المَدِينَةِ وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ أصْحابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنْ صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ واتَّقَيْتُمْ وعادُوا إلَيْكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا أمَدَّكُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأخَذُوا في الجِهادِ وخَرَجُوا يَتْبَعُونَ الكُفّارَ عَلى ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحِ، فَأخْبَرَ المُشْرِكِينَ مَن مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ خَرَجَ يَتْبَعُكم فَخافَ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا أنْ تَكُونَ الغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ قَدِ التَأمَ إلَيْهِمْ مَن كانَ تَأخَّرَ عَنْهم وانْضَمَّ إلَيْهِمْ غَيْرُهم، فَدَسُّوا نُعَيْمًا الأشْجَعِيَّ حَتّى يَصُدَّهم بِتَعْظِيمِ أمْرِ قُرَيْشٍ وأسْرَعُوا بِالذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أمْرَهم»، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِالسَّفَرِ مِمّا لَمْ نَظْفَرْ بِهِ فِيما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، فَلَعَلَّ الفَوْرَ بِمَعْنى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها، وهَذا التَّفْسِيرُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وذَهَبَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أنَّ مِن ( ﴿فَوْرِهِمْ﴾ ) بِمَعْنى وجْهِهِمْ، ولَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مُتَأخِّرُو المُفَسِّرِينَ أصْحابُ القِيلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الجِهَةَ الَّتِي يَقْصِدُها المُسافِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وجْهِ الدَّهْرِ (p-46)بِمَعْنى أوَّلِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا لَكِنَّهُ ظاهِرٌ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ؛ لِأنَّ كَوْنَ الوَجْهِ بِمَعْنى الجِهَةِ المَذْكُورَةِ، وإنْ جاءَ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الفَوْرِ كَذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مِن وجْهِ الدَّهْرِ بِمَعْنى أوَّلِهِ يَرْجِعُ إلى ما قالُوا فَتَدَبَّرْ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الإمْدادَ وقَعَ تَدْرِيجًا فَكانَ أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ألْفَيْنِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ لا غَيْرَ، فَمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ يُمْدِدُكم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَلائِكَةُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فالمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ أُخَرَ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) (521) مِنَ التَّسْوِيمِ وهو إظْهارُ عَلامَةِ الشَّيْءِ، والمُرادُ مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في ذَلِكَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَتْ عَلَيْهِ عِمامَةٌ صَفْراءُ مُعْتَجِرًا بِها، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمائِمَ بِيضً قَدْ أرْسَلُوها في ظُهُورِهِمْ، ويَوْمَ حُنَيْنَ عَمائِمُ حُمْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: أنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بِعَمائِمَ سُودٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ بِعَمائِمَ حُمْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها، وكانُوا كَما قالَ الرَّبِيعُ: عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهم كانُوا مُسَوَّمِينَ بِالعِهْنِ الأحْمَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا مُعَلَّمِينَ مَجْزُوزَةً أذْنابُ خُيُولِهِمْ ونَواصِيها فِيها الصُّوفُ والعِهْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم وخُيُولَهم أيْضًا، وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ ( ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ ) بِكَسْرِ الواوِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ( مُسَوَّمِينَ ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَلَّمِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مُطْلَقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ سائِمَةٌ أيْ مُرْسَلَةٌ في المَرْعى، وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، والمُتَبادَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الإسامَةَ لَهم، وأمّا أنَّها كانَتْ لِخَيْلِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب