الباحث القرآني

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُمَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها وإنْ شِئْتَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ: اسْتَأْنَفَتْها، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ الآخِرَ بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِسائِرِ اليَهُودِ فِيما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مُشارَكَتَهم لَهم فِيهِ لِأنَّهم يَدَّعُونَ أيْضًا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ( ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ) وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمُ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُصْطَفَوِيَّةِ جُعِلَ هو والعَدَمُ سَواءً ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ إشارَةٌ إلى وُفُورِ نَصِيبِهِمْ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ الإشارَةِ إلى وُفُورِهِ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ النَّفْسِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُداهِنِينَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ خَوْفَ الفَواتِ بِالمَوْتِ مَثَلًا، أوْ يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ راغِبِينَ فِيها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ لِعِلْمِهِمْ بِجَلالَةِ مَوْقِعِها وحُسْنِ عاقِبَتِها، وهَذِهِ صِفَةٌ جامِعَةٌ لِفُنُونِ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، وفي ذِكْرِها تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ وتَثاقُلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ المُسارِعَةِ المُبادَرَةُ وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعَجَلَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ السُّرْعَةِ، فَإنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيما يَجُوزُ أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهي مَحْمُودَةٌ وضِدُّها الإبْطاءُ وهو مَذْمُومٌ، والعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ (p-35)وهِيَ مَذْمُومَةٌ وضِدَّها الأناةُ وهي مَحْمُودَةٌ، وإيثارُ ( في ) عَلى – إلى - وكَثِيرًا ما تَتَعَدّى المُسارِعَةُ بِها لِلْإيذانِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ لا أنَّهم خارِجُونَ مُنْتَهُونَ إلَيْها؛ وصِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ هُنا تُغْنِي عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ كَما لا يَخْفى. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيَّةِ الشَّأْنِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ مِن عِدادِ الَّذِينَ صَلَحَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حالُهم، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِهِ آلا شِرارُنا. وقَدْ ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّ في الآيَةِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ ومِنهم مَن لَيْسُوا كَذَلِكَ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب