الباحث القرآني

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَرَّرَ الخِطابَ بِهَذا العُنْوانِ تَشْرِيفًا لَهم ولا يَخْفى ما في تَكْرارِهِ مِنَ اللُّطْفِ بَعْدَ تَكْرارِ خِطابِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ أيْ حَقَّ تَقْواهُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا: «هُوَ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ» . وادَّعى كَثِيرٌ نَسْخَ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى. ومِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ. وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَن قالَ بِالنَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ المُرادَ مِن حَقِّ تُقاتِهِ ما يَحِقُّ لَهُ ويَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن قالَ بِعَدَمِ النَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ ( حَقَّ ) مِن حَقَّ الشَّيْءُ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، وأنَّ الأصْلَ اتَّقُوا اللَّهَ اتْقاءً حَقًّا أيْ (p-18)ثابِتًا وواجِبًا عَلى حَدِّ ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ تُرِيدُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وادَّعى أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ باطِلٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ بَعْضِ المَعاصِي، وتَعَقَّبَهُ الرُّمّانِيُّ بِأنَّهُ إذا وُجِّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى أنْ يَقُومُوا بِالحَقِّ في الخَوْفِ والأمْنِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ أباحَ تَرْكَ الواجِبِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَخْطِرُ بِالبالِ حَتّى يُجابَ عَنْهُ إذا فُسِّرَ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ بِما فَسَّرَهُ هو بِهِ مِن تَرْكِ جَمِيعِ المَعاصِي ونَحْوِهِ، وإنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ بَلْ فُسِّرَ بِما جَنَحَ إلَيْهِ القائِلُ بِالنَّسْخِ فَلا يَكادُ يَخْطِرُ ما ذَكَرَهُ بِبالٍ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ، نَعَمْ يَكُونُ القَوْلُ بِإنْكارِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ مَبْنِيًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِنِ امْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ ابْتِداءً كَما لا يَخْفى، وأصْلُ ( تُقاةٍ ) وُقَيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهَمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًا، وأجازَ فِيها الزَّجّاجُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: تُقاةٌ ووِقاةٌ وإقاةٌ. ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (201) أيْ مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِسِواهُ أصْلًا، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإسْلامَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُرادُ بِهِ الأعْمالُ بَلِ الإيمانُ القَلْبِيُّ؛ لِأنَّ الأعْمالَ حالَ المَوْتِ مِمّا لا تَكادُ تَتَأتّى، ولِذا ورَدَ في دُعاءِ صَلاةِ الجِنازَةِ: «اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن أمَتَّهُ مِنّا فَأمِتْهُ عَلى الإيمانِ». فَأخَذَ الإسْلامَ أوَّلًا والإيمانَ ثانِيًا لِما أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالِ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ ( إلّا ) بَعْدَ النَّقْضِ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى حالٍ غَيْرِ حالِ الإسْلامِ عِنْدَ المَوْتِ، ويُؤَوَّلُ إلى إيجابِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، إلّا أنَّهُ وجَّهَ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْهُ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهم حَتّى يَنْهَوْا عَنْهُ، وفي التَّحْبِيرِ لِلْإمامِ السُّيُوطِيِّ: ومِن عَجِيبِ ما اشْتُهِرَ في تَفْسِيرِ ( مُسْلِمُونَ ) قَوْلُ العَوامِّ: أيْ مُتَزَوِّجُونَ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ لَهُ أصْلٌ، ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمُجَرَّدِ ما يُحَدَّثُ في النَّفْسِ أوْ يُسْمَعُ مِمَّنْ لا عُهْدَةَ عَلَيْهِ انْتَهى. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مُسْلِمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ مُسْتَسْلِمُونَ لِما أتى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْقادُونَ لَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ أهْلِ الكِتابِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب