الباحث القرآني

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ جِنْسُ الإنْسانِ انْتَهى، وفِيهِ بَحْثٌ. ومُتَعَلِّقُ تُطِعْهُما مَحْذُوفٌ لِوُضُوحِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ أيْ وإنِ اسْتَفْرَغا جَهْدَهُما في تَكْلِيفِكِ لِتُشْرِكَ بِي غَيْرِي مِمّا لا إلَهِيَّةَ لَهُ فَلا تُطِعْهُما في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، وفي تَعْلِيقِ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما بِمُجاهَدَتِهِما في التَّكْلِيفِ إشْعارٌ بِأنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ فِيما دُونَها مِنَ التَّكْلِيفِ ثابِتٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ وكَذا مُوجِبُهُ في مُجاهَدَةِ أحَدِهِما ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ مَرْجِعُ مَن آمَنَ مِنكُمْ- ومَن أشْرَكَ - ومَن بَرَّ- ومَن عَقَّ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها ولِذا لَمْ تُعْطَفْ ﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. «والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وذَلِكَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ قالَتْ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: يا سَعْدُ بَلَغَنِي أنَّكَ صَبَأْتَ فَواللَّهِ تَعالى لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنَ الضِّحِّ والرِّيحِ وأنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ (عَلَيَّ) حَرامٌ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ أحَبَّ ولَدِها إلَيْها فَأبى سَعْدٌ وبَقِيَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ فَجاءَ سَعْدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَشَكا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي في لُقْمانَ والَّتِي في الأحْقافِ فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُدارِيَها ويَتَرَضّاها بِالإحْسانِ». ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مُتَوافِقَيْنِ حَتّى نَزَلا المَدِينَةَ فَخَرَجَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ والحارِثُ بْنُ هِشامٍ أخَواهُ لِأُمِّهِ أسْماءَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ امْرَأةٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مَن بَنِي حَنْظَلَةَ فَنَزَلا بِعَيّاشٍ وقالا لَهُ: إنَّ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ صِلَةَ الأرْحامِ وبِرَّ الوالِدَيْنِ وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ لا تَطْعَمُ ولا تَشْرَبُ ولا تَأْوِي بَيْتًا حَتّى تَراكَ وهي أشَدُّ حُبًّا لَكَ مِنّا فاخْرُجْ مَعَنا وفَتْلًا مِنهُ في الذُّرْوَةِ والغارِبِ فاسْتَشارَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ هُما يَخْدَعانِكَ ولَكَ (عَلَيَّ) أنْ أقْسِمَ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ فَما زالا بِهِ حَتّى أطاعَها وعَصى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أما إذْ عَصَيْتَنِي فَخُذْ ناقَتِي فَلَيْسَ في الدُّنْيا بَعِيرٌ يَلْحَقُها فَإنْ رابَكَ مِنهم رَيْبٌ فارْجِعْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ ناقَتِي قَدْ كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَنَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ ولَهُ فَأخَذاهُ فَشَدّاهُ وثاقًا وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جِلْدَةٍ وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: لا تَزالُ بِعَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب