الباحث القرآني
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ عالِمًا بِما صَدَرَ عَنِّي مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وبِما صَدَرَ عَنْكم مِن مُقابَلَتِي بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ، فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَأْنِي وشَأْنُكُمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كِفايَتِهِ تَعالى شَهِيدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَفى بِهِ عَزَّ وجَلَّ شاهِدًا بِصِدْقِي أيْ مُصَدِّقًا لِي فِيما ادَّعَيْتُهُ بِالمُعْجِزاتِ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُ ) إمّا صِفَةُ ( شَهِيدًا ) أوْ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ كِفايَتِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ هَذا الوَجْهَ لا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( بَيْنِي وبَيْنَكم ) سَواءٌ تَعَلَّقَ بِكَفى، أوْ بِـ(شَهِيدًا)، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ) إلَخْ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
وقَدْ يُؤَيَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِيَ «أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ كَفى﴾ الآيَةَ»
إلّا أنَّ في القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْئًا، لِما أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ مَعَ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ فَلا تَغْفُلْ.
وأيًّا ما كانَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: 23] بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: لا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ تَعالى، ولا تَقُولُوا اللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ما نَدَّعِيهِ حَقٌّ، كَما يَقُولُهُ العاجِزُ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ، إمّا لِأنَّ الشَّهِيدَ ها هُنا بِمَعْنى العالِمِ، والكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وإمّا بِمَعْنى المُصَدِّقِ بِالمُعْجِزاتِ ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ هُناكَ، والباءُ في ( بِاللَّهِ ) زائِدَةٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلُ ( كَفى )، وقالَ الزَّجّاجُ: «إنَّ الباءَ دَخَلَتْ لِتُضَمِّنَ كَفى مَعْنى اكْتَفِ، فالباءُ كَما قالَ اللَّقّانِيُّ مُعَدِّيَةٌ لا زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، ويُصَحِّحُهُ قَوْلُهُمُ: اتَّقى اللَّهَ تَعالى امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أيْ لِيَتَّقِ، بِدَلِيلِ جَزْمِ يُثَبْ، ويُوجِبُهُ قَوْلُهُمْ: «كَفى بِهِنْدٍ» بِتَرْكِ التّاءِ (p-8)فَإنِ احْتُجَّ بِالفاصِلِ، فَهو مُجَوَّزٌ لا مُوجِبٌ، بِدَلِيلِ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ فَإنْ عُورِضَ بِأحْسَنَ بِهِنْدٍ، فالتّاءُ لا تَلْحَقُ صِيَغَ الأمْرِ، وإنْ كانَ مَعْناها الخَبَرَ اهـ» .
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يس الحِمْصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ فَقالَ: «أقُولُ: تَفْسِيرُ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ بِاكْتَفِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ فاعِلُ ( كَفى ) حِينَئِذٍ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، ( وكَفى ) ماضٍ، وهو لا يَرْفَعُ ضَمِيرَ المُخاطَبِ المُسْتَتِرِ اهـ، وفِيهِ بُعْدُ بَحْثٍ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ» .
وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ يُخاطَبُ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ نَحْوُ: حَيَّ، في حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، فالمَعْنى هُنا اكْتَفُوا بِاللَّهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ ويَأْباهُ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: الفاعِلُ ضَمِيرُ الِاكْتِفاءِ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: وصِحَّةُ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلى جَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الفارِسِيِّ، والرُّمّانِيِّ أجازُوا: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَهُ في الظَّرْفِ وغَيْرِهِ، ومَنَعَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إعْمالَهُ مُطْلَقًا اهـ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ الصِّحَّةِ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَعْنى ( كَفى ) هو أيِ الِاكْتِفاءُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِاللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ ما لَمْ يَبْطُلْ هَذا القَوْلُ لا يَتِمُّ ما ادَّعاهُ ابْنُ هِشامٍ مِن أنَّ تَرْكَ التّاءِ فِي: كَفى بِهِنْدٍ، يُوجِبُ كَوْنَ (كَفى) مُضَمَّنًا مَعْنى اكْتَفِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو شامِلٌ لِنَحْوِ عِيسى والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والباطِلُ في الحَقِيقَةِ عِبادَتُهُمْ، ولَيْسَ الباطِلُ هُنا مِثْلَهُ في قَوْلِ حَسّانَ:
؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
وقالَ مُقاتِلٌ:
أيْ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: أيْ بِالصَّنَمِ، ﴿وكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ المَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ فاسْتَوْجَبُوا العِقابَ يَوْمَ الحِسابِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ اسْتِبْدالَ الكُفْرِ بِالإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعِقابِ بِاشْتِراءِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْخُسْرانِ، وفي الخُسْرانِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ هي قَرِينَتُها، لِأنَّ الخُسْرانَ مُتَعارَفٌ في التِّجاراتِ، وهَذا الكَلامُ ورَدَ مَوْرِدَ الإنْصافِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ الكافِرُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ أبْرَزَهُ في مَعْرِضِ العُمُومِ، لِيَهْجُمَ بِهِ التَّأمُّلُ عَلى المَطْلُوبِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٌ: 24]، وكَقَوْلِ حَسّانَ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وهَذا مِن قَبِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
{"ayah":"قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡ شَهِیدࣰاۖ یَعۡلَمُ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق