الباحث القرآني

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِدَلائِلِهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها النَّشْأةُ الأُولى الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والآياتُ النّاطِقَةُ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُها بِدَلائِلَ وحْدانِيَّتِهِ تَعالى لا يُناسِبُ المَقامَ﴿ولِقائِهِ﴾ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ تِلْكَ الآياتُ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الكُفْرِ بِآياتِهِ تَعالى ولِقائِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ أيْ يَيْأسُونَ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ، وإلّا فالكافِرُ لا يُوصَفُ بِاليَأْسِ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا رَجاءَ لَهُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ مُبايَنَةِ حالِهِمْ وحالِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِ الرَّجاءُ والخَشْيَةُ وحالَ الكافِرِ الِاغْتِرارُ واليَأْسُ فَهو لا يَخْطِرُ بِبالِهِ رَجاءً ولا خَوْفًا؛ إنَّ أخْطَرَ المَخُوفِ بِبالِهِ كانَ حالُهُ اليَأْسَ بَدَلَ الخَوْفِ وإنَّ أخْطَرَ المَرْجُوِّ كانَ حالُهُ الِاغْتِرارَ بَدَلَ الرَّجاءِ، فَكَأنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلى كُفْرِهِمْ وتَعْرِيفٌ لِحالِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ. شُبِّهُوا بِالآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ ما دامَتِ الحَياةُ لا يَتَحَقَّقُ اليَأْسُ مِنِ الرَّحْمَةِ لِرَجاءِ الإيمانِ، أوْ مِن قُدِّرَ آيِسًا مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى الفَرْضِ دَلالَةً عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الكُفْرِ وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ وقَرَأ الذِّمارِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، «يَيْسُوا» بِغَيْرِ هَمْزٍ بَلْ بِياءٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في تَكْرِيرِ اسْمِ الإشارَةِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفُهُ بِالألِيمِ مِنِ الدَّلالَةِ عَلى فَظاعَةِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى لَكِنْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الرَّحْمَةَ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ دُونَ العَذابِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ رَحْمَتَهُ جَلَّ وعَلا سَبَقَتْ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلالَةً عَلى سُوءِ حالِهِمْ أيْضًا لِإفادَتِها أنَّهم حُرِمُوا تِلْكَ الرَّحْمَةَ العَظِيمَةَ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ العَظائِمِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب