الباحث القرآني
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ لِحَمْلِهِمُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ إيّاهم عَلَيْهِ بِالأذِيَّةِ والوَعِيدِ، ووَصْفُهم بِالكُفْرِ هاهُنا دُونَ ما سَبَقَ لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ جِنايَتِهِمْ وفِيما سَبَقَ لِبَيانِ جِنايَةِ مَن أضَلُّوهُ، واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ أيْ قالُوا مُخاطِبِينَ لَهم ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أيِ اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا الَّتِي نَسْلُكُها في الدِّينِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاتِّباعِ الَّذِي هو المَشْيُ خَلْفَ ماشٍ آخَرَ تَنْزِيلًا لِلْمَسْلَكِ مَنزِلَةَ السّالِكِ فِيهِ أوِ اتَّبِعُونا في طَرِيقَتِنا ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ الِاتِّباعُ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقُولُونَ أوْ ولْنَحْمِلْ ما عَلَيْكم مِنَ الخَطايا إنْ كانَ بَعْثٌ ومُؤاخَذَةٌ، وإنَّما أمَرُوا أنْفُسَهم بِالحَمْلِ عاطِفِينَ لَهُ عَلى الأمْرِ بِالِاتِّباعِ لِلْمُبالَغَةِ في تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ، فَكَأنَّ أصْلَ الكَلامِ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا نَحْمِلْ خَطاياكم بِجَزْمِ نَحْمِلْ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، فَيَكُونُ المَعْنى إنْ تَتَّبِعُوا نَحْمِلْ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ، ومَنشَؤُها الإشارَةُ إلى أنَّ الحَمْلَ لِتَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ أمْرٌ واجِبٌ أمَرُوا بِهِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ، والتَّعْلِيقُ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي (p-141)تَضَمَّنَهُ الأمْرُ كَما في قَوْلِهِمْ:
أكْرِمْنِي أنْفَعْكَ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، والدّاعِي لَهم إلى المُبالَغَةِ التَّشْجِيعُ عَلى الِاتِّباعِ، والحَمْلُ هُنا مَجازٌ، وفي البَحْرِ شِبْهُ القِيامِ بِما يَتَحَصَّلُ مِن عَواقِبِ الإثْمِ بِالحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ والخَطايا بِالمَحْمُولِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَمْلُ هُنا مِنَ الحَمالَةِ لا مِنَ الحَمْلِ انْتَهى.
والآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ قالُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ: لا نُبْعَثُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ فاتَّبِعُونا فَإنْ كانَ عَلَيْكم شَيْءٌ فَعَلَيْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ كانَ أبُو جَهْلٍ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ يَتَلَقَّوْنَ النّاسَ إذا جاؤُوا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُحَرِّمُ الخَمْرَ ويُحَرِّمُ الزِّنا ويُحَرِّمُ ما كانَتْ تَصْنَعُ العَرَبُ فارْجِعُوا فَنَحْنُ نَحْمِلُ أوْزارَكم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ قالا لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنْ كانَ في الإقامَةِ عَلى دِينِ الآباءِ إثْمٌ فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَنْكَ.
وقِيلَ: قائِلُهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، ونِسْبَةُ ما صَدَرَ عَنِ الواحِدِ لِلْجَمْعِ شائِعَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ غَيْرَ مَرَّةٍ في وجْهِ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ونُوحٌ القارِئُ
«ولِتَحْمِلْ» بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، ورُوِيَتْ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ
﴿وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ عَنْ سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ لِكَوْنِهِمْ حامِلِينَ شَيْئًا ما مِن خَطاياهُمُ الَّتِي التَزَمُوا حَمْلَها، فالباءُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والِاسْتِمْرارِ الَّذِي تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ النَّفْيِ، ومِنَ الأوْلى لِلْبَيانِ وهو مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، ومِنِ الثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ.
وقَرَأ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ فِيما ذَكَرَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ «مِن خَطِيئَتِهِمْ» عَلى التَّوْحِيدِ قالَ: ومَعْناهُ الجِنْسُ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ اتِّصافُهُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، وذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ وأبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ أنَّ داوُدَ هَذا قَرَأ «مِن خَطِيئاتِهِمْ» جَمْعَ خَطِيئَةٍ جَمْعَ السَّلامَةِ بِالألِفِ والتّاءِ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ مِن «خَطَيِهِمْ» بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِ الياءِ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَسْرُ الياءِ عَلى أنَّها هَمْزَةٌ سُهِّلَتْ بَيْنَ بَيْنَ فَأشْبَهَتِ الياءَ لِأنَّ قِياسَ تَسْهِيلِها هو ذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ، والكَذِبُ قِيلَ راجِعٌ إلى تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ فَإنَّهُ إخْبارٌ لا إلى الأمْرِ السّابِقِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ ولا يَجْرِي الكَذِبُ فِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّعْلِيقَ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ إخْبارٌ بَلْ هو ضَمانٌ مُعَلَّقٌ أيْ إنْشاءُ الضَّمانِ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ضامِنَ ما لا يَعْلَمُ اقْتِدارَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ لا يُسَمّى كاذِبًا لا حِينَ ضَمِنَ ولا حِينَ عَجَزَ لِأنَّهُ في الحالَيْنِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَدِّ الكاذِبِ وهو المُخْبِرُ عَنِ الشَّيْءِ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ وجَعَلَ هَذا سُؤالًا عَنْ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِكاذِبُونَ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ، ثانِيهِما عَلى ما في الكَشْفِ هو الوَجْهُ، وحاصِلُهُ أنَّ الكَذِبَ لَيْسَ راجِعًا إلى أنَّهم غَيْرُ حامِلِينَ لِيُقالَ: إنَّ الضّامِنَ لا يُسَمّى كاذِبًا بَلْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم عَجَزُوا عَمّا ضَمِنُوهُ ومَعَ ذَلِكَ هم كاذِبُونَ في وعْدِ إنْشاءِ الضَّمانِ عِنْدَ وُجُودِ الوَصْفِ، والمُحَصِّلُ أنَّ مِن وعْدِ الضَّمانِ إنْ ضَمِنَ ولَمْ يُحَقِّقْ لا يُسَمّى كاذِبًا وإنْ لَمْ يَضْمَن سُمِّيَ كاذِبًا، وأوَّلُهُما أنَّهُ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى حالَهم حَيْثُ عَلِمَ أنَّ ما ضَمِنُوهُ لا طَرِيقَ لَهم إلى أنْ يَفُوا بِهِ فَكانَ ضَمانُهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لا عَلى ما هو عَلَيْهِ المَضْمُونُ بِالكاذِبِينَ الَّذِينَ خَبَرُهم لا عَلى ما عَلَيْهِ المُخْبَرُ عَنْهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الكَذِبُ راجِعٌ إلى الخَبَرِ الَّذِي في ضِمْنِ وعْدِهِمْ بِالحَمْلِ وهم أنَّهم قادِرُونَ عَلى إنْجازِ (p-142)ما وعَدُوا، والكَذِبُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يُتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ مَدْلُولُهُ، وفي الِانْتِصافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى صِحَّةِ مَجِيءِ الأمْرِ بِمَعْنى الخَبَرِ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَهُ والتَزَمَ تَخْرِيجَ جَمِيعِ ما ورَدَ في ذَلِكَ عَلى أصْلِ الأمْرِ ولَمْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أرْدَفَ قَوْلَهم ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ والتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَطَرَّقُ إلى الإخْبارِ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ مَعَ إخْراجِهِمْ لَهُ مَخْرَجُ الأمْرِ إلّا أنَّ في كَوْنِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى ما ذَكَرَهُ نَظَرًا كَما لا يَخْفى.
{"ayah":"وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِیلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَـٰیَـٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَـٰمِلِینَ مِنۡ خَطَـٰیَـٰهُم مِّن شَیۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











