الباحث القرآني
﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ أيْ مِثْلَ (p-124)مَكانِهِ ومَنزِلَتِهِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ، وجَوَّزَ كَوْنَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ (ومِثْلَ) هُناكَ مُقْحَمَةٌ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بِالأمْسِ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنَّوْا أوْ بِمَكانِهِ، قِيلَ: والعَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في ﴿فَخَسَفْنا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وفِي البَحْرِ دَلَّ أصْبَحَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا وهو أفْظَعُ العَذابِ إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي بِمَعْنى صارَ أيْ صارَ المُتَمَنُّونَ.
﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ يَفْعَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ أيِ التَّضْيِيقِ والقَتْرِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ، ووَيْ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ ومَعْناها أعْجَبُ وتَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ أيْضًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم «ويْ» وكُلُّ مَن نَدِمَ وأرادَ إظْهارَ نَدَمِهِ قالَ «ويْ» ولَعَلَّ الأظْهَرَ إرادَةُ التَّعَجُّبِ بِأنْ يَكُونُوا تَعَجَّبُوا أوَّلًا مِمّا وقَعَ وقالُوا ثانِيًا كَأنَّ إلَخْ وكَأنَّ فِيهِ عارِيَةٌ عَنْ مَعْنى التَّشْبِيهِ جِيءَ بِها لِلتَّحْقِيقِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هِشامٌ
وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
؎كَأنَّنِي حِينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي ∗∗∗ مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودًا
وقِيلَ: هي غَيْرُ عارِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ، والمُرادُ تَشْبِيهُ الحالِ المُطْلَقُ بِما في حَيِّزِها إشارَةً إلى أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى وزَعَمَ الهَمْدانِيُّ أنَّ الخَلِيلَ ذَهَبَ إلى أنَّ «ويْ» لِلتَّنَدُّمِ وكَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ والمَعْنى نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْسُطُ إلَخْ، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ كَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وأيًّا ما كانَ فالوَقْفُ كَما في البَحْرِ عَلى (ويْ والقِياسُ كِتابَتُها مَفْصُولَةً وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِالكافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وقَدْ كُتِبَتْ عَلى القِياسِ في قَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
؎ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضَرِّ
وقالَ الأخْفَشُ: الكافُ مُتَّصِلَةٌ بِها وهي اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أعْجَبُ والكافُ حَرْفُ خِطابٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما قالُوا في ذَلِكَ ونَحْوِهِ، والوَقْفُ عَلى ويْكَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ
و(أنْ عِنْدَهُ مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ أيْ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ إلَخْ، وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ فَبَقِيَ ويْكَ، وهي لِلرَّدْعِ والزَّجْرِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يَرْضى، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي كَلِمَةُ تَحَزُّنٍ وأنْشَدَ في التَّحْقِيقِ قَوْلَهُ:
؎ألا ويْكَ المَضَرَّةُ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يَبْقى عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ
والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ، والعامِلُ في أنَّ فِعْلُ العِلْمِ المُقَدَّرِ كَما سَمِعْتَ أوْ هو بِتَقْدِيرٍ لِأنَّ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ لِأجْلِهِ ويْكَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَعْنى ويْكَ رَحْمَةٌ لَكَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: ألا تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ (p-125)مَعَهُ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويْكَأنَّ حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ وهو بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.
﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ تَعالى ما تَمَنَّيْناهُ مِن إعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ قارُونَ ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ أيِ الأرْضَ كَما خُسِفَ بِهِ أوْ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِنا في تَمَنِّينا ذَلِكَ لَخَسَفَ بِنا جَزاءَ ذَلِكَ كَما خَسَفَ بِهِ جَزاءَ ما كانَ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «لَوْلا (مَنَّ)» بِحَذْفِ (أنْ) وهي مُرادَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ مَنُّ اللَّهِ بِرَفْعِ مَنُّ والإضافَةِ.
وقَرَأ الأكْثَرُ «لَخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وبِنا) هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لَخَسَفَ هو أيِ الخَسْفَ بِنا عَلى مَعْنى لَفَعَلَ الخَسْفَ بِنا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لانْخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا (وبِنا) أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، وعَنْهُ أيْضًا «(لَتُخُسِّفَ)» بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ (مَبْنِيًّا) لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، والكَلامُ فِي- ويْكَأنَّ- هُنا كَما تَقَدَّمَ بَيْدَ أنَّهُ جَوَّزَ هُنا أنْ يَكُونَ لِأنَّ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ أيْ لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ فِعْلَ ذَلِكَ أيِ الخَسْفَ بِقارُونَ، واعْتِبارُ نَظِيرِهِ فِيما سَبَقَ دُونَ اعْتِبارِ هَذا هُنا، وضَمِيرُ ويْكَأنَّهُ لِلشَّأْنِ.
هَذا وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ قِصَّةَ قارُونَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ [القَصَصِ: 3] عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾، وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ خِزْيُ الكُفّارِ وافْتِضاحُهم يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ أنَّ قارُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ وأنَّهُ يَفْتَضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما افْتَضَحَ في الدُّنْيا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ العِلْمِ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾
{"ayah":"وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِینَ تَمَنَّوۡا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ یَقُولُونَ وَیۡكَأَنَّ ٱللَّهَ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَیَقۡدِرُۖ لَوۡلَاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَیۡكَأَنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











