الباحث القرآني

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ وإلْقائِهِ في اليَمِّ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ، وحُذِفَ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ. (p-46)رُوِيَ أنَّها لَمّا ضَرَبَها الطَّلْقُ دَعَتْ قابِلَةً مِنَ المُوَكَّلاتِ بِحُبالى بَنِي إسْرائِيلَ فَعالَجَتْها، فَلَمّا وقَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها ودَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَها بِحَيْثُ مَنَعَها مِنَ السِّعايَةِ فَقالَتْ لِأُمِّهِ: احْفَظِيهِ، فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَخَرَجُوا وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَأخَذَتْهُ، فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ واجْتَهَدَ العُيُونُ في تَفَحُّصِها أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى، وأرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةً، أوْ ثَمانِيَةً عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَلَمّا خافَتَ عَلَيْهِ عَمَدَتْ إلى بَرْدِيٍّ فَصَنَعَتْ مِنهُ تابُوتًا أيْ صُنْدُوقًا فَطَلَتْهُ بِالقارِ مِن داخِلِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها دَعَتْ نَجّارًا، فَصَنَعَ لَها تابُوتًا، وجَعَلَتْ مِفْتاحَهُ مِن داخِلٍ، ووَضَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ وألْقَتْهُ في النِّيلِ بَيْنَ أحْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَ جَوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَهُ فَأدْخَلْنَهُ إلَيْها وظَنَنَّ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحْنَهُ رَأتْهُ آسِيَةُ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ رَحْمَتُها فَأحَبَّتْهُ، وأرادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ حَتّى تَرَكَهُ لَها ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ أعْيا الأطِبّاءَ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ أنَّها لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطِّخُ بِهِ بَرَصَها فَتَبْرَأُ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ وأقْبَلَتْ بِنْتُهُ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهم فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَكُشِفَ لَها عَنْ نُورٍ في جَوْفِهِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ فَإذا صَبِيٌّ صَغِيرٌ فِيهِ ولَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَلْبِها وقُلُوبِ القَوْمِ وعَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها. وقِيلَ: لَمّا نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ خَوْفًا مِنكَ فاقْتُلْهُ فَهَمَّ أنْ يَقْتُلَهُ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنها ما قَدَّمْنا، وآلُ فِرْعَوْنَ أتْباعُهُ وقَوْلُهُمْ: إنَّ الآلَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما فِيهِ شَرَفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الغالِبِ أوِ الشَّرَفُ فِيهِ أعَمُّ مِنَ الشَّرَفِ الحَقِيقِيِّ والصُّورِيِّ ومَعْنى التِقاطِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذُهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ وصِيانَةٍ لَهُ عَنِ الضَّياعِ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم لِلِالتِقاطِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وإنَّما دَعاهم شَيْءٌ آخَرُ كالتَّبَنِّي ونَفْعِهِ إيّاهم إذا كَبُرَ. وفِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يُشَبَّهَ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ كالتَّبَنِّي والنَّفْعِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِغَيْرِ المُشَبَّهِ ويَدُلْ عَلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَخُصُّ المُشَبَّهَ بِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ في المَجْرُورِ واللّامُ عَلى حَقِيقَتِها، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ أوَّلًا تَرَتُّبَ غَيْرِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ أيْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ التَّرْتِيبَيْنِ الكُلِّيَّيْنِ لِيَسْرِيَ في جُزْئِيّاتِهِما فَيَتَحَقَّقُ تَبَعًا تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ عَلى الِالتِقاطِ بِتَرَتُّبِ التَّبَنِّي ونَحْوَهُ مِمّا هو عِلَّةٌ غائِيَّةٌ- أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ أيْضًا عَلَيْهِ- ثُمَّ (p-47)يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ فَتَكُونُ الِاسْتِعارَةُ أوَّلًا في العَلِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ وتَبَعًا في اللّامِ فَصارَ حُكْمُ اللّامِ حُكْمَ الأسَدِ حَيْثُ اسْتُعِيرَتْ لِما يُشْبِهُ العِلَّةَ كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِما يُشْبِهُ الأسَدَ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هاهُنا مَكْنِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، الثّالِثُ ما أفادَهُ كَلامُ الخَطِيبِ الدِّمَشْقِيِّ في التَّلْخِيصِ والإيضاحِ وهو أنْ يُقَدَّرَ التَّشْبِيهُ أوَّلًا لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ ثُمَّ يَسْرِي ذَلِكَ التَّشْبِيهُ إلى تَشْبِيهِ تَرَتُّبِهِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ فَتُسْتَعارُ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِتَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في المَجْرُورِ وهَذا التَّشْبِيهُ كَتَشْبِيهِ الرَّبِيعِ بِالقادِرِ المُخْتارِ ثُمَّ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ وهو مُفادُ كَلامِ الكَشّافِ، واخْتارَ ذَلِكَ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ، فَقالَ: وهو الحَقُّ عِنْدِي لِأنَّ اللّامَ لَمّا كانَ مَعْناها مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ المَجْرُورِ كانَ اللّائِقُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ والتَّشْبِيهُ فِيها تابِعًا لِتَشْبِيهِ المَجْرُورِ لا تابِعًا لِتَشْبِيهِ مَعْنًى كُلِّيٍّ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ مَعْنى الحَرْفِ مِن جُزْئِيّاتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ وتَبِعَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ انْتَهى فَتَأمَّلْ. واسْتُشْكِلَ أصْلُ تَعْلِيلِ الِالتِقاطِ بِأنَّ الِالتِقاطَ الوِجْدانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ القَصْدِ وهو تَوَهُّمٌ لِأنَّ الوِجْدانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لا يُنافِي قَصْدَ أخْذِ ما وُجِدَ لِغَرَضٍ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَعْنى هُنا فَأخَذَهُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ إلَخْ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ إنَّما هو لِلْأخْذِ ولا إشْكالَ فِيهِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِمُقَدَّرٍ أيْ قَدَّرْنا الِالتِقاطَ لِيَكُونَ إلَخْ، وعَلَيْهِ لا تَجُوزُ في الكَلامِ إلّا عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وهو أمْرٌ غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي جَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ- حُزْنًا- بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةَ قُرَيْشٍ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أوْ مِن شَأْنِهِمُ الخَطَأُ فَلَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم أنْ قَتَلُوا أُلُوفًا لِأجْلِهِ ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبُرَ ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، رُوِيَ أنَّهُ ذَبَحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ. و﴿خاطِئِينَ﴾ عَلى هَذا مِنَ الخَطَأِ في الرَّأْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَطِئَ بِمَعْنى أذْنَبَ، وفي الأساسِ يُقالُ: خَطِئَ خَطَأً إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ، والمَعْنى وكانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ رَبِّي عَدُّوهم عَلى أيْدِيهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمُ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فَإنَّهُ كَما سَمِعْتَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ عَلى الثّانِي، اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ ذَنْبِهِمُ المَفْهُومِ مِن حاصِلِ الكَلامِ، وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا إنْ أُرِيدَ بِما ابْتُلُوا بِهِ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا وهو لا يُنافِي الِاعْتِراضَ عِنْدَهُمْ، وقُرِئَ خاطِينَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ وحُذِفَتْ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو مِن خَطا يَخْطُو أيْ خاطِّينَ الصَّوابَ إلى ضِدِّهِ فَهو مَجازٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب