الباحث القرآني

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإسْكانِ الشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ مَثَلًا ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ اسْتِراحَةً مِن مَتاعِبِ الأشْغالِ ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الشَّواهِدَ المَنصُوبَةَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ لِتَقِفُوا عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ كُلًّا مِن جُمْلَتَيْ أفَلا تَسْمَعُونَ وأفَلا تُبْصِرُونَ تَذْيِيلٌ لِلتَّوْبِيخِ الَّذِي يُعْطِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾ إلَخْ قَبْلَهُ، وأفادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ظاهِرَ التَّقابُلِ يَقْتَضِي ذِكْرَ النَّهارِ والتَّصَرُّفَ فِيهِ إلّا أنَّ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ إلى الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَنافِعَ كَثِيرَةً مِنها التَّصَرُّفُ فَلَوْ أتى بِالنَّهارِ لاسْتَدْعى القَصْرَ عَلى تِلْكَ المَنفَعَةِ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المَنافِعَ لِلضِّياءِ لا لِلنَّهارِ عَلى أنَّ النَّهارَ أيْضًا مِن مَنافِعِهِ، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ أنْ يُقالَ: فَلِمَ لَمْ يُؤْتِ بِالظَّلامِ بَدَلَ اللَّيْلِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِتَتِمَّ المُقابَلَةُ مِن هَذا الوَجْهِ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَلا هو مَقْصُودٌ في ذاتِهِ كالضِّياءِ ولا أنَّ المَنافِعَ مِن رَوادِفِهِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ الِاسْتِئْناسِ والِاشْمِئْزازِ، بَلْ لَوْ تَأمَّلَ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدَّ حَكَمَ بِأنَّ اللَّيْلَ مِن مَنافِعِ الضِّياءِ أيْضًا والظَّلامَ مِن ضَرُوراتِ كَوْنِ الشَّمْسِ المُضِيئَةِ تَحْتَ الأرْضِ وإلْقاءِ ظَلِّ اللَّيْلِ، ثُمَّ أفادَ أنَّ التَّفْصِلَةَ وهو التَّذْيِيلُ المَذْكُورُ فِيها إرْشادٌ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبِيخَ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ في الضِّياءِ أكْثَرُ مِن حَيْثُ إنَّ مُدْرِكَ السَّمْعِ أكْثَرُ. والمُرادُ ما يُدْرِكُهُ العَقْلُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ فَلا يَرِدُ أنَّ مُدْرِكَهُ الأصْواتُ وحْدَها ومُدْرِكَ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ ما لا يُدْرَكُ بِحِسٍّ أصْلًا يُدْرَكُ بِواسِطَةِ السَّمْعِ إذا عَبَّرَ عَنْهُ المُعَبِّرُ بِعِبارَةٍ مُفْهِمَةٍ، وأمّا ما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ فَمِن مُشاهَدَةِ المُبْصِراتِ وهي قَلِيلَةٌ، وأمّا المُطالَعَةُ مِنَ الكُتُبِ فَإنَّها أضْيَقُ مَجالًا مِنَ السَّمْعِ وقَرَعَهُ كَذا في الكَشْفِ، والعَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ قَرَّرَ عِبارَةَ الكَشّافِ بِما قَرَّرَ ثُمَّ قالَ: الأبْعَدُ مِنَ التَّكَلُّفِ أنْ يَجْعَلَ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا لِلتَّوْبِيخِ المُسْتَفادِ مِن أرَأيْتُمْ إلَخْ قَبْلَهُ وكَذا ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ عَلى ما في المَعالِمِ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيَجْتَمِعَ لَهُمُ الصَّمَمُ والعَمى مِنَ الإعْراضِ عَنْ سَماعِ البَراهِينِ والإغْماضِ عَنْ رُؤْيَةِ الشَّواهِدِ. ولَمّا كانَتِ اسْتِدامَةُ اللَّيْلِ أشَقَّ مِنِ اسْتِدامَةِ النَّهارِ لِأنَّ النَّوْمَ الَّذِي هو أجَلُّ الغَرَضِ فِيهِ شَبِيهُ المَوْتِ، والِابْتِغاءَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو بَعْضُ فَوائِدِ النَّهارِ شَبِيهٌ بِالحَياةِ قِيلَ في الأوَّلِ أفَلا تَسْمَعُونَ أيْ سَماعَ فَهِمٍ وفي الثّانِي أفَلا تُبْصِرُونَ أيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ لِيُطابِقَ كُلٌّ مِنَ التَّذْيِيلَيْنِ الكَلامَ السّابِقَ مِنِ التَّشْدِيدِ والتَّوْبِيخِ، وذَكَرَ في حاصِلِ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: وفِيهِ أنَّ دَلالَةَ النَّصِّ أُولى وأقْدَمُ مِنَ العَقْلِ، وصاحِبُ الكَشْفِ قَرَّرَ (p-108)العِبارَةَ بِما سَمِعْتَ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي ما في المَعالِمِ بَلْ يُؤَكِّدُهُ ويُبَيِّنُ فائِدَةَ التَّوْبِيخَيْنِ، ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنِ الرّاغِبِ في غُرَّةِ التَّنْزِيلِ أنَّهُ قالَ: إنَّ نَسْخَ اللَّيْلِ بِالنَّيِّرِ الأعْظَمِ أبْلَغُ في المَنافِعِ وأضْمَنُ لِلْمَصالِحِ مِن نَسْخِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ، ألا تَرى أنَّ الجَنَّةَ نَهارُها دائِمٌ لا لَيْلَ مَعَهُ لِاسْتِغْناءِ أهْلِها عَنِ الِاسْتِراحَةِ فَتَقْدِيمُ ذِكْرِ اللَّيْلِ لِانْكِشافِهِ عَنِ النَّهارِ الَّذِي هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا ومَنافِعُ ضَوْءِ شَمْسِهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى أحَقُّ وأوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أفَلا تَسْمَعُونَ سَماعَ مَن يَتَدَبَّرُ المَسْمُوعَ لِيَسْتَدْرِكَ مِنهُ قَصْدَ القائِلِ ويُحِيطَ بِأكْثَرَ ما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى في النَّهارِ مِنَ المَنافِعِ فَإنَّ عَقِيبَ السَّماعِ اسْتِدْراكُ المُرادِ بِالمَسْمُوعِ إذا كانَ هُناكَ تَدَبُّرٌ وتَفَكُّرٌ فِيهِ ومَعْنى ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أتَسْتَدْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ اسْتِدْراكُهُ انْتَهى. وفِي الكَشْفِ أنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ورُبَّما يُقالُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا وثانِيًا فَرْضِيَّةَ جَعْلِ النَّهارِ كَذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ كَما قالُوا مُقَدَّمٌ عَلى النَّهارِ شَرْعًا وعُرْفًا وأيْضًا ذَلِكَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [القَصَصِ: 69] فَفي المَثَلِ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ وكَذا بِقَوْلِهِ تَعالى سُبْحانَهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَفي الأثَرِ كانَ الخَلْقُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، ولَعَلَّهُ لِاعْتِبارِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ ذُيِّلَتِ الآيَةُ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تَسْمَعُونَ مِمَّنْ سَلَفَ مِن آبائِكم أوْ مِمّا سَلَفَ مِنّا أنَّ آلِهَتَكم لا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ والثّانِيَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى أفَلا تُبْصِرُونَ أنْتُمْ عَجْزَها عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وجِيءَ بِالضِّياءِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ في الآيَةِ الأُولى وبِاللَّيْلِ مَوْصُوفًا في الثّانِيَةِ لِما أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقِيلَ في وجْهِ تَذْيِيلِ الآيَةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ دُونَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أنَّ المَفْرُوضَ لَوْ تَحَقَّقَ بَقِيَ مَعَهُ السَّمْعُ دُونَ الإبْصارِ إذْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لا تَحْجُبُ السَّمْعَ وتَحْجُبُ البَصَرَ، وفي وجْهِ تَذْيِيلِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ دُونَ ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أنَّ تَحَقُّقَ المَفْرُوضِ وعَدَمَهُ سِيّانِ في أمْرِ السَّمْعِ دُونَ الإبْصارِ إذْ لِضِياءِ النَّهارِ مَدْخَلٌ في الإبْصارِ ولَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ في السَّمْعِ أصْلًا وهو كَما تَرى (واعْلَمْ أنَّ هاهُنا إشْكالًا وهو أنَّ جَعْلَ اللَّيْلِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِضِياءٍ أصْلًا وكَذا جَعْلُ النَّهارِ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنْ تَحَقَّقَ لَمْ يُتَصَوَّرِ الإتْيانُ بِلَيْلٍ كَذَلِكَ، أمّا مِن غَيْرِهِ تَعالى فَظاهِرٌ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العَجْزِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ فَلِاسْتِلْزامِهِ اجْتِماعَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ لَوْ لَمْ يَجْتَمِعا لَمْ يَتَحَقَّقِ اللَّيْلُ مُسْتَمِرًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ وكَذا جَعْلُ النَّهارِ كَذَلِكَ وهو خِلافُ المَفْرُوضِ واجْتِماعُهُما مُحالٌ والمُحالُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ فَلا يُرادُ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ إنْ أرادَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَمَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِخِلافِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقْطَعَ الِاسْتِمْرارَ فَيَأْتِيَ بِنَهارٍ بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ حِينَئِذٍ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو الَّذِي إنْ أرادَ ذَلِكَ يَأْتِيهِمْ بِخِلافِ مُرادِهِ تَعالى فَيَقْطَعُ الِاسْتِمْرارَ وهو مُشْكِلٌ أيْضًا لِأنَّ إتْيانَهُ تَعالى بِخِلافِ مُرادِهِ جَلَّ وعَلا مُسْتَلْزِمٌ لِتَخَلُّفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ وهو مُحالٌ فَإذا أرادَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى شَيْئًا عَلى وجْهِ إرادَةٍ لا تَعْلِيقٍ فِيها لا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ الوَجْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ غَيْرَ مُعَلِّقٍ لَهُ عَلى إرادَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ خِلافَهُ لا يَأْتِيكم بِخِلافِهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالقَيْدِ لِدَلالَةِ العَقْلِ الصَّرِيحِ عَلى أنَّ الإرادَةَ غَيْرَ المُعَلَّقَةِ لا يُمْكِنُ الإتْيانُ بِخِلافِ مُوجِبِها أصْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَبُتُّ إرادَتَهُ فَجَمِيعُ ما يُرِيدُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُعَلَّقٌ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُقالَ: لَيْسَ المُرادُ سِوى أنَّ آلِهَتَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِنَهارٍ (p-109)بَعْدَ لَيْلٍ ولَيْلٍ بَعْدَ نَهارٍ إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ اسْتِمْرارَ أحَدِهِما، وإنَّما القادِرُ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ ذَلِكَ الإتْيانِ مُقَيَّدًا بِتِلْكَ الإرادَةِ فَتَدَبَّرْ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب