الباحث القرآني

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى حِكايَةِ السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ هَذا السُّؤالِ فَقِيلَ قالَ: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ مُقْتَضى القَوْلِ وتَحَقَّقَ مُؤَدّاهُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هُودٍ: 119] وغَيْرُهُ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ مِنَ الشَّياطِينِ ورُؤَساءِ الكَفْرِ، وتَخْصِيصُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مَعَ شُمُولِ مَضْمُونِها الِاتِّباعَ أيْضًا لِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ الَّذِينَ زَعَمُوهم شُرَكاءَ لِإخْراجِ مِثْلِ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِشُمُولِ الشُّرَكاءِ عَلى ما سُمِعَتْ لَهُ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى الجَوابِ مَعَ كَوْنِ السُّؤالِ لِلْعَبَدَةِ لِتَفَطُّنِهِمْ إنَّ السُّؤالَ مِنهم سُؤالُ تَوْبِيخٍ (p-101)وإهانَةٍ وهو يَسْتَدْعِي اسْتِحْضارَهم وتَوْبِيخَهم بِالإضْلالِ وجَزْمِهِمْ بِأنَّ العَبَدَةَ سَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَبَدَةُ قَدْ أجابُوا مُعْتَذِرِينَ بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا ثُمَّ قالَ الشُّرَكاءُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَحْكِ إيجازًا لِظُهُورِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ تَمْهِيدٌ لِلْجَوابِ والإشارَةِ إلى العَبَدَةِ لِبَيانِ أنَّهم يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ بِمَحْضَرٍ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى إنْكارِهِ ورَدِّهِ (وهَؤُلاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، وجُمْلَةُ أغْوَيْنا صِلَةُ المَوْصُولِ والعائِدُ مَحْذُوفٌ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ فِيما بَعْدُ أيِ الَّذِينَ أغْوَيْناهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ هو الجَوابُ حَقِيقَةً أيْ ما أكْرَهْناهم عَلى الغَيِّ وإنَّما أغْوَيْناهم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ لا بِالقَسْرِ والإلْجاءِ فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ غَيًّا مِثْلَ غَيِّنا بِاخْتِيارِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةَ اسْمِ الإشارَةِ والخَبَرُ جُمْلَةَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ الخَبَرَ لا يَكُونُ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ لِأنَّ إغْواءَهم إيّاهم قَدْ عُلِمَ مِنَ الوَصْفِ. ورُدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ دَلَّ عَلى أنَّهم غَوَوْا بِاخْتِيارٍ لا أنَّ الإغْواءَ إلْجاءٌ وقَوْلُهُ: إنَّ كَما غَوِينا فَضْلَةٌ فَلا تَصِيرُ ذاكَ أصْلًا في الجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الفَضَلاتِ قَدْ تَلْزَمُ في بَعْضِ المَواضِعِ نَحْوَ زَيْدٌ عَمْرٌو قائِمٌ في دارِهِ وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ وبَعْضُ الشّامِيِّينَ «كَما غَوِينا» بِكَسْرِ الواوِ، قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتارًا لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ غَوَيْتُ مِنَ الضَّلالَةِ وغَوِيتُ بِالكَسْرِ مِنَ البَشَمِ ﴿تَبَرَّأْنا﴾ مِنهم ومِمّا اخْتارُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي هَوًى مِن أنْفُسِهِمْ مُوَجِّهِينَ التَّبَرُّؤَ ومُهَيَّئِينَ لَهُ ﴿إلَيْكَ﴾ والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها لِأنَّ الإقْرارَ بِالغَوايَةِ تَبَرُّؤٌ في الحَقِيقَةِ ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما (كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ أيْ ما كانُوا يَعْبُدُونَنا وإنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ في نَفْسِ الأمْرِ والمَآلِ أهْواءَهُمْ، وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَرَّأْنا﴾ وهُناكَ جارٌّ مُقَدَّرٌ أيْ تَبَرَّأْنا مِن عِبادَتِهِمْ إيّانا وجَعْلُها نافِيَةً عَلى أنَّ المَعْنى ما كانُوا يَعْبُدُونَنا بِاسْتِحْقاقٍ وحُجَّةٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فَإيّانا مَفْعُولُ يَعْبُدُونَ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب