الباحث القرآني
﴿فَلَمّا جاءَها﴾، أيِ: النّارَ الَّتِي قالَ فِيها: (إنِّي آنَسْتُ نارًا) وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّجَرَةِ وهو كَما تَرى، وما ظَنَّهُ داعِيًا لَيْسَ بِداعٍ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿نُودِيَ﴾ أيْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿أنْ بُورِكَ﴾ مَعْناهُ: أيْ بُورِكَ عَلى أنَّ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ؛ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أنِ) المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ومَنَعَهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِـ(قَدْ) أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ أوْ حَرْفِ النَّفْيِ، وهو مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إذا كانَتْ مُخَفَّفَةً؛ لِما في الحُجَّةِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّها لَمّا كانَتْ لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ اسْتَقْبَحُوا أنْ يَلِيَها الفِعْلُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ اشْتِراطِ الفَصْلِ في مَواضِعَ، مِنها ما يَكُونُ الفِعْلُ فِيهِ دُعاءً، فَلَعَلَّ مَن جَوَّزَ كَوْنَها المُخَفِّفَةَ هاهُنا جَعَلَ (بُورِكَ) دُعاءً، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُدَّعى أنَّ الفَصْلَ بِإحْدى المَذْكُوراتِ في غَيْرِ ما اسْتُثْنِيَ أغْلَبِيٌّ لِقَوْلِهِ:
؎عَلِمُوا أنْ يُؤَمِّلُونَ فَجادُوا قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلٍ
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْأفْعالِ (وبُورِكَ) حِينَئِذٍ إمّا خَبَرٌ أوْ إنْشاءٌ لِلدُّعاءِ.
وادَّعى الرَّضِيُّ أنَّ (بُورِكَ) إذا جُعِلَ دُعاءً فَإنْ مُفَسِّرَةٌ لا غَيْرُ؛ لِأنَّ المُخَفَّفَةَ لا يَقَعُ بَعْدَها فِعْلٌ إنْشائِيٌّ إجْماعًا، وكَذا المَصْدَرِيَّةُ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ، ودَعْوى الإجْماعِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ، والقَوْلُ بِأنْ يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَعْدَ التَّأْوِيلِ بِالمَصْدَرِ قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ.
وفِي الكَشْفِ يَمْنَعُ عَنْ جَعْلِها مَصْدَرِيَّةً عَدَمُ سَدادِ المَعْنى لِأنَّ (بُورِكَ) إذْ ذاكَ لَيْسَ يَصْلُحُ بِشارَةً، وقَدْ قالُوا: إنَّ تَصْدِيرَ الخِطابِ بِذَلِكَ بِشارَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ قَدْ قُضِيَ لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ تَنْتَشِرُ مِنهُ في أرْضِ الشّامِ كُلِّها البَرَكَةُ، وهَذا بِخِلافِ ما إذا كانَ (بُورِكَ) تَفْسِيرًا لِلشَّأْنِ، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ الكَلامُ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: نُودِيَ بِأنْ إلَخْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ نائِبَ الفاعِلِ، بَلْ نائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: هو نائِبُ الفاعِلِ ولا ضَمِيرَ.
وقالَ بَعْضُهم في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا: إنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لَيْسَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هو لِمَصْدَرِ الفِعْلِ، أيْ: نُودِيَ هُوَ، أيِ: النِّداءَ، وفُسِّرَ النِّداءُ بِما بَعْدَهُ، والأظْهَرُ في الضَّمِيرِ رُجُوعُهُ لِمُوسى، وفي أنْ أنَّها مُفَسِّرَةٌ وفي (بُورِكَ) أنَّهُ خَبَرٌ، وهو مِنَ البَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وقِيلَ هُنا: المَعْنى قُدِّسَ وطُهِّرَ وزِيدَ خَيْرًا.
﴿مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ ذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا في مَوْضِعَيْنِ، أيْ: مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها، قالُوا: ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ «تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها» واسْتُظْهِرَ عُمُومُ (مَن) لِكُلِّ (مَن) في ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْهِ مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ؛ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا، ولا سِيَّما تِلْكَ البُقْعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيها.
وقِيلَ: مَن في النّارِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن حَوْلَها المَلائِكَةُ الحاضِرُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ - فِيما نَقَلَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ -: «ومَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ» وهي عِنْدَ كَثِيرٍ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ؛ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وقِيلَ: الأوَّلُ المَلائِكَةُ والثّانِي مُوسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتَغْنى بَعْضُهم عَنْ تَقْدِيرِ المُضافِ بِجَعْلِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازًا عَنِ القُرْبِ التّامِّ، وذَهَبَ إلى القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ (p-161)بِالمَوْصُولَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ بِشارَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى - عَلى ما قِيلَ -: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَعْجِيبٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الشُّؤُونِ، ومِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، أوْ خَبَرٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِن سَماعِ كَلامِهِ تَعالى التَّشْبِيهُ بِما لِلْبَشَرِ، أوْ طَلَبٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعَجُّبًا صادِرًا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: وقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ... إلَخْ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنْ سِماتِ المُحَدَّثِينَ، وكَأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْضًا، وجَعَلَ المُقَدَّرَ عَطْفًا عَلى (نُودِيَ).
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ: وبُورِكَ مَن سَبَّحَ اللَّهَ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ جِدًّا، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِنَبِيِّنا ﷺ مُرادٌ بِهِ التَّنْزِيهُ، وجُعِلَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ما
{"ayah":"فَلَمَّا جَاۤءَهَا نُودِیَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِی ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ"}
- أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.
أمّهات
جامع البيان
تفسير الطبري
نحو ٢٨ مجلدًا
تفسير القرآن العظيم
تفسير ابن كثير
نحو ١٩ مجلدًا
الجامع لأحكام القرآن
تفسير القرطبي
نحو ٢٤ مجلدًا
معالم التنزيل
تفسير البغوي
نحو ١١ مجلدًا
جمع الأقوال
منتقاة
عامّة
عامّة
فتح البيان
فتح البيان للقنوجي
نحو ١٢ مجلدًا
فتح القدير
فتح القدير للشوكاني
نحو ١١ مجلدًا
التسهيل لعلوم التنزيل
تفسير ابن جزي
نحو ٣ مجلدات
موسوعات
أخرى
لغة وبلاغة
معاصرة
الميسر
نحو مجلد
المختصر
المختصر في التفسير
نحو مجلد
تيسير الكريم الرحمن
تفسير السعدي
نحو ٤ مجلدات
أيسر التفاسير
نحو ٣ مجلدات
القرآن – تدبّر وعمل
القرآن – تدبر وعمل
نحو ٣ مجلدات
تفسير القرآن الكريم
تفسير ابن عثيمين
نحو ١٥ مجلدًا
مركَّزة العبارة
تفسير الجلالين
نحو مجلد
جامع البيان
جامع البيان للإيجي
نحو ٣ مجلدات
أنوار التنزيل
تفسير البيضاوي
نحو ٣ مجلدات
مدارك التنزيل
تفسير النسفي
نحو ٣ مجلدات
الوجيز
الوجيز للواحدي
نحو مجلد
تفسير القرآن العزيز
تفسير ابن أبي زمنين
نحو مجلدين
آثار
غريب ومعاني
السراج في بيان غريب القرآن
غريب القرآن للخضيري
نحو مجلد
الميسر في غريب القرآن الكريم
الميسر في الغريب
نحو مجلد
تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن قتيبة
نحو مجلد
التبيان في تفسير غريب القرآن
غريب القرآن لابن الهائم
نحو مجلد
معاني القرآن وإعرابه
معاني الزجاج
نحو ٤ مجلدات
معاني القرآن
معاني القرآن للنحاس
نحو مجلدين
معاني القرآن
معاني القرآن للفراء
نحو مجلدين
مجاز القرآن
مجاز القرآن لمعمر بن المثنى
نحو مجلد
معاني القرآن
معاني القرآن للأخفش
نحو مجلد
أسباب النزول
إعراب ولغة
الإعراب الميسر
نحو ٣ مجلدات
إعراب القرآن
إعراب القرآن للدعاس
نحو ٤ مجلدات
الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه
الجدول في إعراب القرآن
نحو ٨ مجلدات
الدر المصون
الدر المصون للسمين الحلبي
نحو ١٠ مجلدات
اللباب
اللباب في علوم الكتاب
نحو ٢٤ مجلدًا
إعراب القرآن وبيانه
إعراب القرآن للدرويش
نحو ٩ مجلدات
المجتبى من مشكل إعراب القرآن
مجتبى مشكل إعراب القرآن
نحو مجلد
إعراب القرآن
إعراب القرآن للنحاس
نحو ٣ مجلدات
تحليل كلمات القرآن
نحو ٩ مجلدات
الإعراب المرسوم
نحو ٣ مجلدات
المجمّع
بالرسم الجديد
بالرسم القديم
حفص عن عاصم
شُعْبة عن عاصم
قالون عن نافع
ورش عن نافع
البَزِّي عن ابن كثير
قُنبُل عن ابن كثير
الدُّوري عن أبي عمرو
السُّوسِي عن أبي عمرو
نستعليق











